خليل الصفدي
13
نكت الهميان في نكت العميان
المقدمة الثانية فيما يتعلق بذلك من جهة التصريف والإعراب أعمى : لا ينصرف لما فيه من العلتين الفرعيتين ، وهما : الصفة ، ووزن الفعل ، ويكتب بالياء ؛ لأن مؤنثه عمياء . والقاعدة عند أهل العربية أن لا يبنى أفعل تعجب ، ولا أفعل تفضيل من الألوان والعاهات ، فلا يقال : هذا أسود من هذا ، ولا هذا أحمر من هذا في الألوان ، ولا يقال : هذا أعور من هذا ، ولا هذا أعرج من هذا ، بل الصواب أن يقال فيه : هذا أشد سوادا وأشد حمرة ، وهذا أشد عرجا وأشد عورا . وأورد على هذه القاعدة قوله تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [ الإسراء : 72 ] ، والجواب : أن هذا ليس من العاهات الظاهرة ، بل هو من عمى البصيرة . قال اللّه تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] . وقرأ أبو عمرو : « ومن كان في هذه أعمى » بالإمالة « فهو في الآخرة أعمى » بالتفخيم ، طلبا للفرق بين ما هو اسم وبين ما هو أفعل منه : بالإمالة . وعيب على أبى الطيب قوله في الشيب : ابعد بعدت بياضا لا بياض له * لأنت أسود في عيني من الظلم وقال الناصر له : إن « أسود » هنا من قبيل الوصف المحض الذي تأنيثه سوداء ، وأخرجه عن حيز أفعل التفضيل ، ويكون على هذا التأويل قد تم الكلام عند قوله : « لأنت أسود في عيني » وتكون « من » التي في قوله : « من الظلم » لبيان جنس السواد لا أنها صلة أسود . مسألة : لو قلت : ما أسود زيدا ، وما أسمر عمرا ، وما أصفر هذا الطائر ، وما أبيض هذه الحمامة ، وما أحمر هذا الفرس ، فسدت كل مسألة من وجه وصحت من وجه ، ففساد جميعها إذا أردت التعجب من الألوان ، وتصحيح جميعها إذا أردت التعجب من سود زيد ، ومن سمر عمرو ، ومن صفير الطائر ، ومن كثرة بيض الحمامة ، ومن حمر الفرس ، وهو نتن فيه من البشم ، وقول الشاعر :