الشيخ الأنصاري

376

فرائد الأصول

السبب لا من آثار ضده ، فنقول حينئذ : الأصل عدم وجود السبب ما لم يدل دليل شرعي على وجوده . وبالجملة : البقاء على الحالة السابقة على هذا البيع مستند إلى عدم السبب الشرعي ، فإذا شك فيه بني على البقاء وعدم وجود المسبب ، ما لم يدل دليل على كون الموجود المردد بين السبب وغيره هو السبب ، فإذن لا منافاة بين الحكم بترتب الآثار المترتبة على البيع الصادر عن غير بالغ ، وترتب الآثار المترتبة على البيع الصادر عن بالغ ، لأن الثاني يقتضي انتقال المال عن البائع ، والأول لا يقتضيه ، لا أنه يقتضي عدمه ( 1 ) .

--> ( 1 ) لم ترد " فإن أريد بالصحة في قولهم - إلى - يقتضي عدمه " في ( ظ ) ، وورد بدلها ما يلي : " وإن جعلناه من الأصول التعبدية ، فإن استفدنا من أدلتها إثبات مجرد صفة الصحة للفعل المشكوك ، فهي معارضة لأصالة الفساد ، لأنها تحقق عدم ترتب الأثر . لكن الشك في الفساد لما كان مسببا دائما عن الشك في تحقق سبب الصحة ، أو أمر خارجي له دخل فيها ، كان أصالة عدم السبب أو عدم ذلك الأمر حاكمة على أصالة الصحة ، لأنها مزيلة للشك في مجراها . هذا بحسب ملاحظة أصالتي الصحة والفساد ، إلا أن دليل أصالة الصحة لما كان أخص من دليل أصالة الفساد - أعني الاستصحاب - وكان اللازم من العمل بعموم الاستصحاب مع الشك في الفساد إلغاء دليل أصالة الصحة رأسا تعين تخصيص عموم الاستصحاب بدليل أصالة الصحة . وإن استفدنا من أدلتها إثبات الفعل الموصوف بالصحة ، بأن جعلناها من الأصول الموضوعية ومن مشخصات الفعل المشكوك في وقوعه على وجه يحكم عليه بالصحة ، فهي بالنسبة إلى أصالة الفساد - إذا كان الشك من جهة الشك في تحقق سبب الصحة - حاكمة مزيلة ، كما إذا شككنا في كون العقد الواقع عربيا أو فارسيا أو بصيغة الماضي أو العقد الواقع على النقدين من دون تقابض بيعا حتى يفسد أو صلحا حتى يصح ، فإن المقتضي للحكم بعدم تحقق الأثر وهو أصالة عدم تحقق سبب الصحة وهو العقد العربي بصيغة الماضي أو الصلح ، والشك في ذلك كله مسبب عن الشك في كون السبب الواقع سببا أو لا ؟ ، فإذا حكم الشارع بكونه سببا فقد ارتفع الشك في تحقق الأثر وتحقق سببه ، وأصالة عدم تحقق سببه وأصالة عدم تحقق السبب لا يقتضي عدم كون هذا العقد سببا ولا كونه واقعا على وجه الفساد . وأما إذا كان الشك في شرط من شروط صحة العمل كبلوغ العاقد ورؤية المبيع ونحو ذلك ، فقد يتوهم : حكومة أصالة عدم الشرط على أصالة الحمل على الصحيح ، لأن الشك في كون الواقع هو الفرد الصحيح مسبب عن الشك في تحقق الشرط ، فإذا أحرز عدمه بالأصل ترتب عليه كون الفعل فاسدا . ويندفع : بأن أصالة عدم البلوغ لا يثبت كون الواقع هو الفرد الفاسد ، حتى يتبين مجرى أصالة الصحة أعني الشك في كون الواقع هو الفرد الصحيح أو الفاسد ، وإنما يثبت كون الواقع فاسدا ، وهذا ليس مجرى أصالة الصحة ، وإنما هو الأثر المترتب على حكم الشارع في مجراها ، لوجوب حمل الفعل المشكوك على فرده الصحيح ، فكل منهما أصل موضوعي مجراه الموضوع الخارجي ، وهو بلوغ العاقد أو عدمه ، والمترتب على الأول كون العقد فاسدا ، والمترتب على الثاني كون العقد صحيحا ، فيتعارضان . والموضوع الخارجي الثاني وإن كان الشك فيه مسببا عن الشك في الموضوع الأول ، إلا أن خلافه ليس مما يترتب بنفسه على إجراء الأصل في الأول نظير نجاسة الثوب المغسول بالماء المستصحب الطهارة المترتب خلافها على استصحاب طهارة الماء ، إلا أن إجراء الأصل في السبب لا يبين مجرى الأصل الثاني ، لأنه من الموضوعات الخارجية الغير المترتبة بأنفسها على استصحاب أسبابها . والأصل في السبب إنما يقدم على الأصل الخارجي في المسبب إذا كان المسبب بنفسه من مجعولات الشارع ، كنجاسة الثوب المغسول بالماء المستصحب الطهارة ، فإن استعمال طهارة الماء مبين لعدم نجاسة الثوب المستصحبة في نفسها . نعم ، لو قلنا بالأصل المثبت كانت أصالة عدم البلوغ مبينة لكون العقد هو الفرد الفاسد . وبالجملة : ففي المقام أصلان موضوعان رتب الشارع عليهما أثرين متنافيين وهما كون العقد الواقع صحيحا فاسدا ، وستعرف أن مقتضى القاعدة في تعارض الأصلين التعبديين التساقط ، فاللازم في المقام الرجوع إلى أصالة عدم ترتب الأثر ، فحينئذ يختص أصالة الصحة بما إذا كان الشك في تحقق أصل السبب من جهة دوران الفعل الواقع بين السبب وغيره ، كما تقدم إلا أن يثبت إجماع مركب بين الشك في نفس السبب والشك في الشرط ، أو يقال تخصيص القاعدة بما عدا الشك في الشروط يوجب قلة فائدتها ، أو يقال إن المثبت مقدم على الثاني . وكيف كان ، فدفع التنافي بين الأصلين وإثبات حكومة أحدهما على الآخر في غاية الإشكال . والله العالم " . - وقد وردت في ( ت ) زيادة كتب عليها : " خ ل زائد " ، وهي ما يلي : " لأنه إذا شك في بلوغ البائع فالشك في كون الواقع البيع الصحيح بمعنى كونه بحيث يترتب عليه الأثر شك في كون البيع صادرا من بالغ أو غيره ، هذا مرجعه إلى الشك في بلوغ البائع . فالشك في كون البيع الصادر من شخص صادرا من بالغ الذي هو مجرى أصالة الصحة ، والشك في بلوغ الشخص الصادر منه العقد الذي هو مجرى الاستصحاب ، مرجعهما إلى أمر واحد ، وليس الأول مسببا عن الثاني ، فإن الشك في المقيد باعتبار القيد شك في القيد . فمقتضى الاستصحاب ترتب أحكام العقد الصادر من غير بالغ ، ومقتضى هذا الأصل ترتب حكم الصادر من بالغ ، فكما أن الأصل معين ظاهري للموضوع وطريق جعلي إليه ، فكذلك استصحاب عدم البلوغ طريق ظاهري للموضوع ، فإن أحكام العقد الصادر من غير البالغ لا يترتب عند الشك في البلوغ إلا بواسطة ثبوت موضوعها بحكم الاستصحاب . نعم ، لو قيل بتقديم المثبت على النافي عند تعارض الأصلين تعين ترجيح أصالة الصحة لكنه محل تأمل . ويمكن أن يقال هنا : إن أصالة عدم البلوغ توجب الفساد لا من حيث الحكم شرعا بصدور العقد من غير بالغ ، بل من حيث الحكم بعدم صدور عقد من بالغ ، فإن بقاء الآثار السابقة مستند إلى عدم السبب الشرعي لا إلى عدم السببية شرعا فيما وقع . نعم ، لما كان المفروض انحصار الواقع فيما حكم شرعا بعدم سببية تحقق البقاء ، فعدم سببية هذا العقد للأثر الذي هو مقتضى الاستصحاب لا يترتب عليه عدم الأثر ، وإنما يترتب على عدم وقوع السبب المقارن لهذا العقد ، فلا أثر لأصالة عدم البلوغ المقتضية لعدم سببية العقد المذكور حتى يعارض أصالة الصحة المقتضية لسببيته ، وأصالة الصحة تثبت تحقق العقد الصادر من بالغ ، ولا معارضة في الظاهر بين عدم سببية هذا العقد الذي هو مقتضى الاستصحاب ، وبين وقوع العقد الصادر عن بالغ الذي يقتضيه أصالة الصحة ، لأن وجود السبب ظاهرا لا يعارضه عدم سببية شئ وإن امتنع اجتماعهما في الواقع من حيث إن الصادر شئ واحد . لكن يدفع هذا : أن مقتضى أصالة الصحة ليس وقوع فعل صحيح في الواقع ، بل يقتضي كون الواقع هو الفرد الصحيح . فإذا فرض نفي السببية عن هذا الواقع بحكم الاستصحاب حصل التنافي . وإن قيل : إن الاستصحاب لا يقتضي نفي السببية ، لأن السببية ليست من المجعولات بل يثبت بقاء الآثار السابقة . قلنا : كذلك أصالة الصحة لا تثبت وقوع السبب وإنما تثبت حدوث آثار السبب . وكيف كان ، فدفع التنافي بين الأصلين وإثبات حكومة أحدهما على الآخر في غاية الإشكال " .