الشيخ الأنصاري

351

فرائد الأصول

المسلمين ، مضافا إلى دلالته بظاهر اللفظ ، حيث إن الظاهر أن كل ما لولاه لزم الاختلال فهو حق ، لأن الاختلال باطل ، والمستلزم للباطل باطل ، فنقيضه حق ، وهو اعتبار أصالة الصحة عند الشك في صحة ما صدر عن الغير . ويشير إليه أيضا : ما ورد من نفي الحرج ( 1 ) ، وتوسعة الدين ( 2 ) ، وذم من ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم ( 3 ) ( 4 ) .

--> ( 1 ) المائدة : 6 ، والحج : 78 . ( 2 ) البقرة : 286 ، وانظر روايات نفي الحرج ، وروايات التوسعة في عوائد الأيام : 174 - 181 . ( 3 ) الوسائل 2 : 1071 ، الباب 50 من أبواب النجاسات ، الحديث 3 . ( 4 ) في ( ت ) وحاشيتي ( ص ) و ( ظ ) زيادة ، كتب عليها في ( ت ) : " زائد " ، وفي ( ص ) : " نسخة " ، وفي ( ظ ) : " صح " ، وهي ما يلي : " ويمكن الاستدلال بموثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : " كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو مملوك عندك وهو حر قد باع نفسه ، أو خدع فبيع ، أو قهر فبيع ، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك ، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البينة " . فإن الحكم بالحلية عند الشك في الحرمة في هذه الأشياء لا يجمعها إلا أصالة الحل في تصرفات الناس وعدم وجوب الاجتناب عنها إلا مع العلم أو قيام البينة ، وذلك لأن حل الثوب الذي اشتراه مع أصالة عدم تملكه له المقتضية لحرمة التصرف فيه لا وجه له إلا أصالة الصحة في تصرف البائع المقتضية للملك . فالحكم بالحل وعدم الحرمة ليس من جهة مجرد الشك في حل لبس الثوب وحرمته نظير المشتبه بين الخل والخمر ، وإلا لكان الأصل فيه التحريم نظير المشتبه بين زوجته والأجنبية ، بل من حيث الاشتباه والشك في معاملة الثوب ، وترددها بين الصحيحة المملكة وغيرها ، فموضوع هذا الحكم الظاهري هي المعاملة الواقعة على الثوب ، وإلا فلبس الثوب حلال من حيث كونه تصرفا في ملكه بعد الحكم الظاهري بكون المعاملة مملكة لا من حيث الشك في كونه حلالا وحراما . وكذا الكلام في العبد المشترى ، وكذا الحكم بحل المرأة المشتبهة بالأخت والرضيعة ليس من حيث مجرد التردد بين الحلال والحرام وإلا لكان الأصل عدم تحقق الزوجية بينهما ، بل من حيث الشك في العقد الواقع وأنه كان صحيحا أم فاسدا . والحاصل : أن ظاهر الرواية بقرينة الأمثلة إرادة ما يعم الحكم بالحل من حيث التصرف الموجب لرفع الحرمة الثابتة بأصالة فساد التصرف . فإن قلت : لعل الحكم بحل التصرف في الثوب والعبد من جهة اليد وفي الامرأة من حيث أصالة عدم النسب والرضاع ، فلا يدل على أصالة الحل في التصرف من حيث هو . قلت : ظاهر الرواية الحكم بثبوت الحل ظاهرا من جهة مجرد التردد بين الجائز والممنوع ، لا من حيث قيام أمارة على الملك وعدم النسب . فإن قلت : إن الرواية كما يشمل ما إذا شك في حل اكل خبز للشك في صحة شرائه الرافع لحرمة أكله قبل الشراء ، أو شك في حل الصلاة في الثوب المتنجس الذي غسله الغير للشك في صحة غسله ، كذلك يشمل حل وطي امرأة ترددت بين الزوجة والأجنبية وحل التصرف في أمة ترددت بين أمته وأمة الغير . ولو بني على حكومة أصالة عدم الزوجية والملكية على مفاد هذه الرواية في هذين المثالين فليبن على أصالة عدمهما في مورد الرواية ، فلا بد أن يكون منشأ الحكم بالحل في الرواية أمارة حاكمة على أصالة العدم ، وهي اليد في الثوب والعبد ، وأصالة عدم النسب والرضاع في المرأة ، لا مجرد الشك في حل المعاملة الواقعة عليها وعدمه . قلت : فرق واضح بين مورد الحكم بالحل في المثالين ومورده في أمثلة الرواية وسائر التصرفات المرددة بين الجائز والمحظور ، فإن الشك في المحل في المثالين مسبوق بالحرمة المتيقنة سابقا فيستصحب ، كما هو شأن تعارض أصل الإباحة مع استصحاب الحرمة ، بخلاف الشك في حل المعاملة الواقعة على الثوب والعبد والمرأة ، فإنه غير مسبوق بالحرمة ، فالحكم بالرواية بجوازه ونفي الحظر عنه يرفع حرمة التصرف فيها المتيقنة سابقا قبل المعاملة . والحاصل : أن أصالة الحرمة في مثالي المعترض حاكم على مؤدى الرواية ، والأمر في موارد الرواية على العكس . هذا ما يقتضيه النظر عاجلا إلى أن يقع التأمل " .