أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
79
كتاب النسب
( اللعبة ) السياسية الخطيرة ، سياسة توازن القوى بين القبائل بل كانوا أنفسهم هم الذين يديرونها لمصلحتهم فنراهم ينضمون إلى القيسية أحيانا وإلى اليمنية حينا آخر ، وكان معاوية أول من بدأ السير في هذا الطريق ثم سار خلفاؤه من بعده على هذا الخط السياسي نفسه فمثلا عندما تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة انحاز إلى جانب القيسية وناصرهم ضد اليمنية ونكل بال المهلب « 1 » ( اليمنيين ) الذين أخلصوا في خدمة بني أمية وأبلوا بلاء حسنا في القضاء على فتن الخوارج والخراسانيين والخزر والترك وعين مكانهم ولاة من القيسية التي علت كلمتها في عهده ، ولما توفي خلفه أخوه هشام بن عبد الملك الذي خاف من ازدياد نفوذ القيسية عزلهم وولى مكانهم عمالا وولاة من اليمنية أمثال خالد بن عبد اللّه القسري « 2 » زعيم اليمانية وغيره من الولاة الذي أخذوا ينكلون وينتقمون من القيسية . ولما ازداد نفوذ اليمانية أيضا اضطر الخليفة هشام إلى الانحياز إلى جانب المضرية وولى منهم العمال والولاة أمثال يوسف بن عمر الثقفي ونصر بن سيار « 3 » . وهكذا دواليك أحداث عديدة وصراع قبلي بدأ بمرج راهط وانتهى بمقتل آخر خليفة أموي مروان بن محمد 132 ه « 4 » . وعاد هذا الصراع المستمر الذي شارك به الخلفاء وساعدوا عليه وسخروه لمصالحهم بأسوإ النتائج على الخلافة الأموية ، فقد كان مقتل خالد بن عبد اللّه القسري زعيم اليمانية من الأسباب القوية التي عجلت بسقوط حزب بني أمية ، وقضت رحى الصراع القبلي على خيرة القادة والحكام العرب الذين ساهموا بتأسيس الدولة العربية الاسلامية بحق . وقضت على نفوذ العرب أنفسهم لأن الخلفاء الأمويين اعتمدوا عليهم في إدارة الحكم دون سواهم . وفي غمرة هذا الصراع القبلي برز النسب كوسيلة من وسائل هذا النزاع بين القبائل ويبدو ذلك واضحا في قصائد شعراء ذلك العصر ، فالمصادر تؤكد أن الفخر بالآباء والأنساب وكرم الأصول كان من غايات ومضامين الشعر آنذاك . وكثيرا ما كانت تقوم إلى جانب معارك السيوف والقنا في ساحات الوغى ، معارك مستعرة في ساحات الأدب والبيان ، إذ قام الشعراء والنسابون من كل قبيلة يدافعون عن
--> ( 1 ) تاريخ الرسل والملوك الطبري 6 / 590 - 604 . ( 2 ) المصدر السابق 7 / 26 - 28 . ( 3 ) المصدر السابق 7 / 154 ، 193 ، 197 . ( 4 ) المصدر السابق 7 / 437 - 443 .