أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي

18

كتاب النسب

الرومان أن ينسبوا ( رومولوس ) المؤسس الأسطوري لمدينة روما ، إلى البطل الطروادي ( اينياس ) الذي قد يكون بدوره بطلا أسطوريا ، ولقد وصلت محاولات التنسيب هذه عند عدد من الشعوب إلى تنسيب الآلهة ذاتها كما حدث في ملحمة ( اينوما ايليش ) التي تروي أسطورة الخلق عند البابليين أو في ملحمة ( تيوجونيا ) التي حاول فيها الشاعر اليوناني ( هزيودوس ) أن يفصل نسب الآلهة عند اليونان « 1 » فأنساب الآلهة وشكل تسلسلها بعضها من بعض وربط نسب أسر الأشراف ورجال السلطة بحبل نسبها كانت من الأمور التي اهتم بها الإغريق كثيرا . وكانت العادة انتساب كل قبيلة إلى جد تنتمي إليه ، يدعي أنها من صلبه ، وأن دماءه تجري في عروق القبيلة ، وتتباهى به وتتفاخر ، فهو بطلها ورمزها وعلامتها الفارقة التي تميزها عن القبائل الأخرى ، ف ( هيلين ) هو جد ( الهيلينيين ) ومنه أخذوا اسمهم هذا ، وكان للفرس والهنود والأوروبيين أيضا أجداد انتموا إليهم واهتموا بهم ، وتعصبوا لهم ونسبوا أنفسهم إليهم على نحو ما نجده عند الشعوب السامية أيضا . أما اليهود فكانوا يعتبرون أنفسهم منتسبين إلى إله قومي اعتبروه إلههم الخاص بهم المدافع عنهم والذي يرزقهم وينفعهم ، وفي التوراة ولا سيما ( سفر التكوين ) نجد أبرز أمثلة على النسب ، ففيها أنساب الأنبياء والشعوب وأنساب بني إسرائيل على هيئة جداول تعود في النهاية إلى أبي الخلق آدم ، وقد ورد فيها أسماء يظن من يقرؤها أنها أسماء لعشائر وقبائل ، وأخرى ربما لطواطم وتدل كل هذه الأسماء على قبائل وشعوب عاشت قبل الشروع في تدوين هذه الأنساب أو في أيام التدوين ، ومن كيفية عرض هذه الأنساب وجمعها وتبويبها يظهر لنا أنه كان في العبرانيين جماعة من النسابين اختصت بجمع الأنساب وحفظها إلى درجة الاهتمام بجمع أنساب الغرباء عن بني إسرائيل ، وربما كان كتبة الأسفار من هؤلاء « 2 » . وإذا عدنا إلى أساس نظرية نسبهم بالذات نجدها تعتمد على فكرة انتسابهم إلى الإله القومي ، وجعلوا يتفاخرون بذلك على سائر الأمم ، حتى بلغوا حد التطرف والمبالغة حين اعتبروا أنفسهم شعب اللّه المختار ، وكانت ولا تزال هذه الفكرة هي

--> ( 1 ) العرب في العصور القديمة د . لطفي يحيى ص 85 . ( 2 ) انظر المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، جواد علي ، 1 / 468 .