أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
168
كتاب النسب
ولد أبو عبيد القاسم بن سلام في مدينة هراة « 1 » - من كبريات مدن إقليم سجستان ( أفغانستان الحالية ) 154 ه « 2 » ، في بيئة متواضعة فقيرة ، فقد أكدت المصادر أن أباه كان عبدا روميا لرجل من الأزد من أبناء أهل خراسان « 3 » ، إلا أنه كان يقدر العلم والتعليم بدليل أنه كانت لديه الرغبة القوية في تعليم ابنه وكأنه لمس فيه النجابة المبكرة فحرص على تعهده ورعايته منذ نعومة أظفاره ، وتذكر الروايات أن أباه لما ذهب به إلى الكتاب برفقة ابن مولاه ، خاطب المعلم بقوله : علم القاسم فإنها كيّسه « 4 » . إذ تلقى القاسم في مسقط رأسه مبادئ العلوم والقرآن الكريم ، ولما بلغ سن الشباب غادر هراة إلى البصرة والكوفة ، لكي يدرس هناك اللغة والفقه والحديث والكلام على يدي علماء الدولة الإسلامية الأوائل شأنه شأن كثير من طلاب العلم في عصره - بل شأن كل طالب علم مخلص في كل العصور - وكانت البصرة والكوفة تزخر بأكابر العلماء الذين على أيديهم تلقى أبو عبيد علومه ، وسمع من أفواههم ودراسهم ، ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره حين كان يناقش في البصرة وبصوت مسموع مسائل دينية وسياسية مثل مكانة الإمام علي والخليفة عثمان « 5 » . ولسنا نعرف بالتحديد متى غادر أبو عبيد أمكنة تعليمه ولا تلك الأمكنة التي زاول فيها أول نشاط علمي مستقل له ، فعند ما تم له ما أراد من تحصيل للعلوم في البصرة
--> ( 1 ) هراة مدينة كبيرة ، عامرة ، خصبة الأراضي ، غزيرة المياه ، ذات خيرات وفيرة ، بها من فقهاء المسلمين وعلمائهم خلق كثير ، وكانت قد افتتحت زمن خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه على يد الأحنف بن قيس ، لمزيد من الاطلاع راجع معجم البلدان ياقوت الحموي 5 / 396 ، الروض المعطار ، الحميري ص 595 . ( 2 ) هناك اختلاف في الروايات حول سنة ولادته ، فالعديد من المصادر ذكرت أن أبا عبيد عند وفاته 224 ه بلغ سبعة وستين عاما وهذا يعني أنه ولد سنة 157 ه ( انظر مثلا تاريخ بغداد 12 / 416 - طبقات الفقهاء الشيرازي ص 92 ، نزهة الألباء ص 98 ، معجم الأدباء 16 / 254 ) وهذا يتعارض مع ما أورده ( الزبيدي في طبقاته ص 219 والقفطي في انباه الرواة 3 / 21 ) من أن علي بن عبد العزيز البغوي - تلميذ أبي عبيد وكاتبه الذي لازمه حتى أواخر أيامه بمكة - ذكر أن أبا عبيد لما توفي 224 ه كان يبلغ من العمر ثلاثة وسبعين عاما وهذا يعني أن أبا عبيد ولد 151 ه على الأرجح وذلك قريب من رواية الحافظ ابن الجوزي الذي ذكر مولده سنة 150 ه كما ورد في وفيات الأعيان 4 / 62 . ( 3 ) طبقات الشافعية 2 / 154 ، مراتب النحويين ص 94 ، تاريخ بغداد 12 / 403 . ( 4 ) وجه الكلام أن يقول : علم القاسم فإنه كيّس ولكنه حرفه لجهله اللغة العربية . انظر طبقات الحنابلة ص 190 ، نزهة الألباء ص 93 ، انباه الرواة 3 / 12 تاريخ بغداد 12 / 403 . ( 5 ) تاريخ بغداد 12 / 403 - 409 .