أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
157
كتاب النسب
وهناك ستائر الحرير المزركشة ، وخارج القصور كانت البساتين والحدائق والبرك عجبة للناظرين « 1 » . وتجلى هذا الترف أيضا في ما كل هؤلاء وملبسهم ومشربهم ومجالس سمرهم ونفقاتهم الباهظة وضخامة أموالهم وممتلكاتهم « 2 » . وبالطبع كان هذا البذخ وهذا الترف على حساب العامة التي كان عليها ان تكدح وتعمل بأسوإ الظروف لتؤمن أسباب هذا الثراء لطبقة الخاصة ، فكان هذا السبب هو الدافع الحقيقي الذي كان وراء كثرة الثورات التي قامت ضد الحكم العباسي وتعلق الناس بالمهدي المنتظر الذي ينشر العدل الاجتماعي المفقود . الوضع الثقافي والعلمي إن أكثر ما يتميز به العصر العباسي الأول هو ازدهار الحركة العلمية ونهضتها فقد امتاز بتحويل ما باللسان العربي إلى قيد في الدفاتر وتسجيل في الكتب وما باللسان الأجنبي إلى لغة العرب ، فهو في كل هذا يخالف العصور قبله وبعده ، مخالفة تجعله حلقة قائمة بنفسها تستحق التمييز والدارسة ، فقد بلغت الثقافة والعلوم آنذاك أوج تطورها وبلغت عصرها الذهبي ، والذي ساعد على ازدهارها عدة أمور منها انتشار الكتاتيب والمعلمين العاملين بها في كل مكان ، كما كانت المساجد - إلى جانب كونها بيوت عبادة - ساحات علم تحوي حلقات الفقه والتفسير والحديث واللغة ، ومناظرات المتكلمين من أصحاب الملل والنحل ، وحلقات للشعراء ينشدون فيها أشعارهم ، وكانت مباحة لأي وارد يرغب في الأخذ والسماع ، وبذلك برزت ظاهرة كثرة العلماء المتخصصين ونشوء طائفة من الأدباء والعلماء الذين نوعوا معارفهم حيث أخذوا من كل الحلقات ، فلقوا ترحيبا وقربوا من مجالس الخلفاء والولاة « 3 » . وكان لإغداق الخلفاء والحكام العطايا على العلماء المتخصصين والموسوعيين الأثر الكبير في ازدهار الحركة العلمية أيضا ، حيث كفي العلماء مئونة العيش وتفرغوا
--> ( 1 ) انظر وصف إيوان قصر الأمين في طبقات الشعراء لابن المعتز ص 209 ووصف إيوان قصر المعتصم في الموشح للمرزباني ص 301 . ( 2 ) انظر الحضارة الاسلامية تأليف ادممتز ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة 2 / 209 - 267 . ( 3 ) العصر العباسي الأول د . شوقي ضيف ص 98 .