أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
148
كتاب النسب
قد توجد بعض الحالات التي نسبت فيها القبائل إلى أسماء أمهات لأسباب عديدة « 1 » ولكنها على العموم تعتبر حالات شاذة وليست قاعدة عامة . وبالنسبة لأسماء القبائل العربية لا تختلف في طبيعتها عن أسماء القبائل عند الشعوب الأخرى ولا سيما قبائل الشعوب المسماة الشعوب السامية ، فهي أسماء آباء وأجداد ترد غالبا في شكل أسماء ذكور ، وترد بنسبة قليلة في صورة أسماء نساء وتعد عندئذ أسماء أمهات أي أمهات قبائل ، وهي ليست بالضرورة أسماء أعيان فبينها أسماء مواضع نسب سكانها إليها فصارت بمرور الزمن جدا وأبا وأما وبينها أسماء آلهة وأصنام تعلق المؤمنون بها حتى نسبوا إليها « 2 » . وإذا رجعنا إلى التوراة نجد أنه لم يرد في نص من نصوصها فقرة تشير إلى الأمومة ولا ورد شيء من ذلك في القرآن أيضا ولا شوهد منقوشا على الآثار في مملكة من ممالك الساميين القديمة ، ولو افترضنا وجودها لاقتضى ذلك أن يكون قبل أسفار موسى بمدة لا نعلم مقدارها ، وأن شريعة حمورابي التي اكتشفوا نصها مؤخرا دونت نحو القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد ، وكل ما جاء فيها عن الزواج والطلاق ونحوهما يدل على أن نظام العائلة وسيادتها في عصر حمورابي ، كان للرجل ، ولا يوجد في نص من نصوص شريعته أو موادها لفظ أو عبارة أو قرينة تدل على وجود ذلك تصريحا أو تلميحا « 3 » . ونخلص إلى القول بأن الأمومة حالة شاذة في حياة البشرية ، لم تدم طويلا وما سجله لنا التاريخ وما روته قصص الأديان يؤكد ذلك ، إذ لم يرد فيها أن امرأة ما كانت نبيّة أو صاحبة رسالة دينية منذ آدم أبو البشر ، كما لم يذكر لنا التاريخ سيرة امرأة كانت لها سيادة ما في عصر من العصور أو كانت زعيمة سياسية أو عسكرية إلا ما ندر . أما بالنسبة لجداول النسب التي وصلت إلينا من مصنفات النسابين فلا يمكننا أن نثق بمجملها خاصة وقد رأينا علماء العرب القدماء أنفسهم وقفوا موقف الشك من بعض هذه المرويات فلا يطمئنون مثلا إلى ما جاوز عدنان وقحطان من الأنساب - كما أوضحنا ذلك سابقا - لذلك نحن أكثر ما يخالجنا الشك في صحة ما جاء من هذه الجداول ما يتصل بالأصول القديمة والجذور التي تفرعت عنها حيث قام النسابون بإيجادها حرصا
--> ( 1 ) راجع كتاب مقدمات ومباحث ص 43 - 44 تأليف عمر رضا كحالة مطبعة الحجاز 1974 . ( 2 ) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام جواد علي 1 / 528 . ( 3 ) مقدمات ومباحث ص 42 .