أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
136
كتاب النسب
والنقد لم يتناول الحديث عن أصل العرب بين قحطان وعدنان فقط بل تناول أيضا استخدام مصطلح ( العرب العاربة والعرب المستعربة ) فإذا عدنا إلى المنهج التقليدي في علم الأنساب نراه يعتمد على إرجاع أسماء البلاد والشعوب إلى الجدود القدماء والأبطال الأسطوريين وهم بذلك تأثروا بالتقاليد التوراتية المعروفة بالإسرائيليات والتي تضع شعوب العالم في شجرة نسب واحدة أصلها ادم وتأثرا بهذه التقاليد أرجع النسابون العرب أمثال عبيد بن شرية الجرهمي ومن تبعه أصل العرب إلى جدهم يعرب بن قحطان بن عابر ( هود ) وهو أول من تكلم باللغة العربية وعن طريقه تعلمها أخواته وبنو عمومته الذين تركوا بابل ليقيموا بجواره في اليمن من ( عاد - ثمود جديس - عمليق - طسم - جرهم ) وغيرهم من العرب المعروفة بالبائدة . ولكن في واقع الأمر أن الترتيب الزمني يقتضي أن يكون العرب البائدة ( الهالكة قبل الإسلام ) قد سبقوا بني يعرب الذي تنسب له القبائل اليمنية التي عرفها الإسلام لذلك فقد رأى بعض الكتاب أن تكون العرب البائدة هم أصل الأرومة العربية قبل القحطانية وبهذا نسبوا إليهم اسم العرب العاربة ، وبناء على ذلك هم أول من تكلم العربية ويعرب بن قحطان هو الذي أخذها عنهم وهذا ما نص عليه الطبري كما ينقله ابن خالدون إذ يقول : ( وفهم اللّه لسان العربية عادا وثمودا وعبيل وطسم وجديس وأميم وعمليق وهم العرب العاربة ويسمون أيضا العرب البائدة ) « 1 » . وهذه النظرية تعني أن كل العرب الذين عاشوا في الجزيرة مع مطلع الإسلام كانوا مستعربة ولم يكن في الجزيرة من العاربة أحد ولذلك أطلق عليهم اسم البائدة . ويأخذ ابن خالدون هنا بالرأي الذي يقول بأن ( قحطان من ولد إسماعيل ) ويبني عليها أن تكون العرب كلهم من ولده ( لأن عدنان وقحطان يستوعبان شعوب العرب كلها ) « 2 » . وبهذا اضطر ابن خالدون لحسم قضية عرب اليمن هل هم من العاربة أم من المستعربة إلى وضعهم في الجيلين معا . ولما لم يكن هناك فاصل حدي بين العرب البائدة والعرب الباقية وجب وجود طبقة عارية من حيث الأصالة والقدم وتكون في الوقت نفسه مستعربة من حيث اصطناع اللغة وهؤلاء هم القحطانية الذين يمثلون أهل جنوب بلاد العرب في مقابل إخوانهم المعدية أو العدنانية سكان نجد والحجاز والشمال .
--> ( 1 ) العبر ابن خالدون 2 / 7 . قارن الطبري 1 / 204 . ( 2 ) ابن خالدون 2 / 46 .