أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي

12

كتاب النسب

إن الزمان وحدة متكاملة لا يمكن أن نجزأها ، فاليوم غدا سيصبح الأمس ، والغد سيصير اليوم ، وإننا نحصد بحاضرنا ما زرعناه في ماضينا القريب ، ونقطف ثمرات مستقبلنا بما نقدمه في حاضرنا ، والإنسان ابن الأمس واليوم والغد ، ولا يمكن أن ينسلخ عن ماضيه ، فهو جزء منه يعيش في وجدانه ، وماضي الأمة هو جذورها الثابتة في وجدانها وشجرة بلا جذور لا تقاوم تحديات الطبيعة - فكيف ننسلخ عن ماضينا الذي يعني أصالتنا واستمرار وجودنا ؟ وكيف نتجاهله نحن ؟ والعالم كله منذهل أمام إشراقه ، ولم يتطور إلا من عطاءاته ، فماضينا هو تراثنا ، والأمة التي تطرح تراثها هي كمن ينتحر سواء بسواء ، ذلك لأن التراث هو روح سارية في كيان الأمة عبر العصور والأجيال ، إنه الثوابت التي تميز ملامح الأمة عن سواها ، فهو أشبه ما يكون ( بالمتحف ) الزاخر بالنصب والشواهد التي تجعل الماضي حاضرا ، والغائب شاهدا ، والغابر ماثلا للعيان . إن الاهتمام بالتراث لا يعني العودة إلى عصوره ، ولا إلى نظم تلك العصور ، بل إن هذه العودة هي إحدى المستحيلات ، ولا يعني أيضا مجال ( الفخر العنتري ) به ، بل كل ما يعنيه هو التزود من النبع لمواصلة السير إلى الأمام بحيث يصبح زادا صالحا وضروريا لشحن وجدان الأمة بالكبرياء المشروعة التي تعين الأجيال الحاضرة على مواجهة ما يعترض حياتها من تحديات ، فاثارنا لا زالت تزين ميادين الغرب ، ومخطوطاتنا - التي تزيد على ثلاثة ملايين مخطوطة - لا زالت تزخر بها متاحفهم بعيدة عن يد الباحثين والمحققين العرب والمسلمين ، وليحاول أحدكم أن يحصل على إحدى هذه المخطوطات ويكتشف مدى ما يواجهه من عناء وتكاليف وصعوبات . إذا لما ذا كل هذا الحرص على تراثنا من قبل الغرب ؟ ألأنه لا فائدة مرجوة منه ؟ ولا قيمة ضخمة تساويه « 1 » ؟ . إن النهضة التي يعيشها الغرب اليوم هي نتاج وعي وعودة أممه لماضيها وتراثها ، وعودتها هذه كانت عن طريقنا ، فأجدادنا هم الذين حافظوا تراث الأمم وطوروه وأضافوا إليه من عقولهم ووجدانهم ، صححوا الخطأ ، وحافظوا الصحيح ، وأضافوا الجديد ، وقدموا للعالم حضارة لا يستطيع إلا أن يعترف بفضلها . من هنا كان حفاظ الغرب على تراثنا ، ومن هذه الأهمية يجب علينا - والحاجة

--> ( 1 ) انظر كتاب التراث في ضوء العقل ، محمد عمارة ، نشر مؤسسة دار الوحدة بيروت .