عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

98

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( فائدة ) قال سهل رضي اللّه عنه : إذا عمل العبد حسنة وقال يا رب أنت الذي وفقتني وأعنتني قال اللّه تعالى أنت أطعت وأنت تقربت . وإن قال أنا عملت قال اللّه تعالى : أنا الذي قدرت ثم يعرض عنه ، وإذا عمل سيئة وقال يا رب أنت قدرت علي غضب اللّه عليه وقال أنت عصيت وأنت أسأت وإن قال يا رب أنا ظلمت نفسي وأسأت قال تعالى : أنا وقضيت وأنا غفرت وسترت . وزاد ابن الملقن في كتاب الحدائق عن بعضهم أنه كان يقول : يا إلهي أنت قضيت وأنت حكمت فهتف به هاتف وقال هذا شرط الربوبية فأين شرط الاعتراف بالعبودية ؟ فقال يا إلهي أنا عصيت وأنا أذنبت فقال الهاتف : وأنا غفرت وأنا سترت وأنا أهل التقوى وأهل المغفرة . وقال موسى عليه السلام : يا رب إذا سألك الطائع ما ذا تقول له قال أقول لبيك قال فالزاهد قال أقول لبيك قال فالصائم قال أقول لبيك قال فالخاطئ قال أقول لبيك لبيك لبيك يا موسى كل واحد من هؤلاء يتكل على عمله والعاصي يتكل على رحمتي وأنا لا أخيب عبدا اتكل علي لأني قلت : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه وملائكته يصلون على المقرين على أنفسهم بالذنب » . ( موعظة ) قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : قال موسى يا رب إنك رب عظيم لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذاك تعصى فكيف هذا يا رب ؟ فأوحى اللّه إليه إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون ، حكاه القرطبي في سورة الأنبياء . ثم حكى في سورة اقتربت : قدم قوم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقالوا : الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا فأنزل اللّه تعالى : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [ الأنبياء : 24 ] فقالوا يا محمد يقدر علينا الذنب ويعذبنا فقال أنتم خصماء اللّه يوم القيامة . وروى ابن ماجة : مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار اللّه تعالى إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن » ورأيت في تفسير الرازي في سورة الأنعام عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال : لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين خصماء اللّه فتقوم القدرية قال الرازي : خصماء اللّه في الحقيقة هم المعتزلة الذين يوجبون على اللّه إثابة الطائع وعقوبة العاصي ، ثم ذكر حكاية كان أبو الحسن الأشعري تلميذا لأبي علي الجبائي المعتزلي ثم تركه ومذهبه وصار يعترض عليه وعظمت المنافرة بينهما فجلس أبو علي للوعظ يوما وجلس الأشعري في آخر الناس خفية فقال لامرأة من الحاضرين : قولي له رجل كان له ثلاثة من الولد أحدهم صالح والآخر فاسق والآخر صبي فماتوا فأخبرني أيها الواعظ عنهم فقال : الصالح في الجنة والفاسق في النار والصبي من أهل الإسلام . فقال الأشعري : قولي له لو أراد الصبي أن يذهب إلى أخيه الصالح فهل يمكنه ذلك ؟ فسألته فقال لا لأن اللّه تعالى يقول : إنما وصل أخوك إلى الجنة بطاعته فقال الأشعري : قولي له لو قال الصبي يا رب ليس لي ذنب فقد توفيتني قبل البلوغ ولو