عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

66

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( حكاية ) قال جابر بن عبد اللّه لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم : رأيت في النوم بقرا كبارا تحلب بقرا صغارا ورأيت أصناما على منابر يرمين بشرر النار من أفواههم ورأيت بساتين خضرة على نهر يابس ورأيت مرضى يعودون أصحاء ورأيت فرسا برأسين تأكل ولا تتغوط ورأيت كرباسا معلقا بين السماء والأرض قد تعلق كل واحد بطرف منه ورأيت طيرين خرجا من وكرهما فقال الإمام علي رضي اللّه عنه : أما البقر الكبار الذين يحلبون الصغار فهم الأمراء يأكلون أموال الناس ، وأما الأصنام التي على المنابر فهو من يجلس عليها وليس من أهلها ، وأما البساتين الخضرة التي على النهر اليابس فهم العلماء ظاهرهم عامر بالعلم وباطنهم يابس من ترك العمل ، وأما المرضى الذين يعودون الأصحاء فهم الفقراء يترددون إلى أبواب الأغنياء ، وأما الفرس التي برأسين فهو الغني يأكل ولا يشكر ، وأما الكرباس المعلق بين السماء والأرض فهو الإسلام ، وأما الطيران فهما الوفاء والأمانة يخرجان ثم لا يعودان . ورأيت في كلام ابن الجوزي رضي اللّه عنه أن نصرانيا رأى هذه الرؤيا بزيادة ورأيت قصورا تنزل من السماء وحولها قردة وخنازير ، ورأيت طيورا نزلت من السماء إلى الأرض ثم عادت بلا رؤوس ، فقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : أما القصر فسلطان ظالم والقردة والخنازير أعوانه ، وأما الطيور فالإسلام ولا يبقى إلا اسمه وترجع الشريعة إلى السماء . ( حكاية ) كان رجل بمكة فقيرا وله زوجة صالحة فقالت ما عندنا قوت فخرج إلى الحرم فوجد كيسا فيه ألف دينار ففرح بذلك وجاء به إلى بيته فقالت زوجته لقطة الحرم لا بد فيها من التعريف فخرج فسمع مناديا ينادي من وجد كيسا فيه ألف دينار فقال أنا وجدته فقال هو لك ومعه تسعة آلاف أخرى فقال : أتهزأ بي ؟ قال لا واللّه ولكن أعطاني رجل من العراق عشرة آلاف دينار وقال اطرح منها ألفا في الحرم ثم ناد عليها فإن ردها إليك من وجدها فادفع الجميع إليه فإنه أمين والأمين يأكل ويتصدق فتكون صدقتنا مقبولة لأمانته . ( مسألة ) لو وجد بعيرا أيام منى مقلدا للهدي فعن نص الشافعي رضي اللّه عنه أنه يأخذه ويعرفه أيام منى فإن خاف فوت وقت النحر نحره ، ويستحب أن يرفعه إلى حاكم حتى يأمره بنحره ، ومن وجد لقطة فقال لآخر ناولني إياها فهي لمن أخذها لا الذي رآها أولا ، ويسن الالتقاط لواثق بأمانة نفسه ويجب التعريف ويكفي سنة مفرقة في غير حقير متمول وهو الذي لا يكثر أسف صاحبه عليه ولا يطول طلبه له فهذا لا يعرف سنة بل زمنا يظن أن فاقده يعرض عنه غالبا ، وأما غيره كحبة حنطة وزبيبة فلا يعرف أصلا فإن لم يظهر صاحبها لم يملكها حتى يقول تملكت ونحوه فإن ظهر صاحبها بعد ذلك ردها بزيادتها المتصلة لا المنفصلة كولد ، ولو ترك بعيره عاجزا عن السير فمر به رجل فقام بإصلاحه حتى عاد فهو له عند الإمام أحمد ، وقال الشافعي رضي اللّه عنه : هو على ملك صاحبه ولا رجوع للرجل على مالكه بما أنفقه واللّه أعلم . ( لطيفة ) قال بعض المفسرين في قوله تعالى : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ [ البقرة : 260 ] وهو