عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

44

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( حكاية ) عن عبد اللّه بن المبارك رضي اللّه عنه أنه كان يقاتل مجوسيا ، فلما جاء وقت الصلاة قال ابن المبارك للمجوسي : عاهدني على أن لا تقصدني بسوء حتى أفرغ من صلاتي ففعل ، فلما فرغ من صلاته وجاء وقت الغروب قال المجوسي لابن المبارك : عاهدني أيضا حتى أفرغ من عبادتي ، فلما سجد للشمس وثب عليه بسيفه فهتف بها هاتف : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [ النحل : 91 ] فرجع ، فلما فرغ المجوسي قال : ما بالك هممت بي ثم رجعت ؟ فقال : كنت أريد قتلك لما رأيت سجدت لغير اللّه لهتف بي فهتف يقول : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [ النحل : 91 ] فقال : نعم الرب ربك يعاتب وليه لأجل عدوه أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه . ( حكاية ) طلب الحجاج رجلا ليقتله فقال : أيها الأمير عندي ودائع للناس فأمهلني حتى أردها ، فأبى إلا بكفيل فخرج الرجل يطلب كفيلا فوجد رجلا جميلا فقال له ما اسمك ؟ قال عبد الكريم فقال : لا بد للمولى أن يؤثر كرمه في عبده وأخبره بقصته مع الحجاج فقال : أنا أكفلك عنده ولا أضيع اسمي لأجل نفسي فكفله فذهب الرجل ورد الودائع ثم رجع ، فوجد في تلك الساعة قد طلب الحجاج الكفيل وأمر بقتله فقال : دعني أصلي ركعتين فلما فرغ منهما قال : يا رب إن الرجل اطمأن إلي لأني عبد الكريم وأنت الكريم ، فأراد السياف ضربه وإذا بالرجل قد أقبل فقال له السياف : كيف رجعت إلى القتل ؟ قال : ردني قوله تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] والوفاء بالعهد من الإيمان فلا أخرج من الإيمان لأجل حياة زائلة ، فعفا الحجاج عنهما . ( حكاية ) عاهد بعض الصالحين ربه عز وجل أن لا يستغيث إلا به فخرج إلى الحج فوقع في بئر فمر به رجلان فقال أحدهما حتى نطمسها من طريق الناس فأراد أن يستغيث بهما فتذكر العهد فلما كان بعد قليل جاء سبع ففتح البئر وناوله يده فرفعه بها فسمع هاتفا يقول : من التجأ في مهماته إلينا ولم يتكل على سوانا وناجانا في الغيب نجيناه من التلف في التلف وأنشد في المعنى : إذا لم يكن بيني وبينك مرسل * فريح الصبا مني إليك رسول ( حكاية ) رأيت في تفسير العلائي في سورة براءة عن ابن عمر رضي اللّه عنهما : دخلنا قالا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلنا يا نبي اللّه إنك قلت ثلاث من كن فيه فهو منافق ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه ثلث النفاق : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان فظننا أن لا نسلم منهن أو من بعضهن ولم يسلم منهن كثير من الناس فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين ، أما قولي إذا حدث كذب فذاك قوله تعالى : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [ المنافقون : 1 ] الآية أفأنتم كذلك ؟ قلنا لا يا رسول اللّه قال لا عليكم أنتم من ذلك براء ، وأما قولي إذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى فيما أنزل علي : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ [ التوبة : 75 ] الآيات الثلاث أفأنتم كذلك ؟ قلنا : لا يا رسول اللّه لو عاهدنا اللّه