عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
42
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [ مريم : 29 ] أي يكون . ومنها : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] أي سيأتي أمر اللّه . وقال قتادة : رأت امرأة عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه وهو الذي خلق أعمى والأبرص ويحيي الموتى فقالت طوبى لبطن حملك وثدي أرضعك فقال طوبى لمن قرأ كتاب اللّه وعمل بما فيه . ( فإن قيل ) كيف عوتب زكريا بالتجائه إلى الشجرة والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم التجأ إلى الغار وما عوتب ؟ ( فالجواب ) أنه التجأ إليه بأمر اللّه تعالى . ( فإن قيل ) كيف قال الخضر عليه السلام لما خرق السفينة فأردت وفي قتل الغلام فأردنا وفي رفع الجدار فأراد ربك ؟ ( فالجواب ) عوتب الخضر في الأول فقيل له أي إرادة لك ولما قال أردنا قيل كيف تشرك إرادتنا مع إرادتك فرد الإرادة إلى اللّه تعالى وقال : فأراد ربك ، وسيأتي عليه زيادة في باب فضل الأمة المرحومة في مناقب الخضر عليه الصلاة والسلام إن شاء اللّه تعالى . ( فإن قيل ) ما الحكمة في أن اللّه تعالى أمر إبراهيم عليه السلام لما سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى أن يأخذ أربعة من الطير وهي الطاوس والديك والغراب والنسر ؟ ( فالجواب ) أن أعداء الآدمي أربعة : الدنيا والهوى والنفس والشيطان ، والإشارة إلى نفي الشهوات الأربعة فالطاوس إشارة إلى زينة الدنيا لأنه أكثر الطيور زينة وأكله حرام عند الإمام مالك والإمام أحمد رضي اللّه عنهما ، والغراب إشارة إلى الحرص لأنه أكثر الطيور حرصا ، والديك إشارة إلى الشهوات لأنه أكثر الطيور شهوة ، والنسر إشارة إلى العجب لأنه أكثر الطيور عجبا لأنه ربما عاش ألف سنة ويلحق السحاب فكأنه تعالى يقول : خذ هذه الأربعة واجعل كل واحد منها على جبل فالحرص على جبل الترك والزينة على جبل الزهد والعجب على جبل التواضع والشهوة على جبل الإخلاص . فإن قيل : ما الحكمة في أن سليمان عليه السلام رد اللّه عليه الشمس بعد ما غربت حتى صلى العصر ؟ قال علي رضي اللّه عنه في قوله تعالى : رُدُّوها عَلَيَّ [ ص : 33 ] يعني الشمس فأمر اللّه تعالى الملائكة الموكلين بها فردوها على سليمان وصلى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ما رد عليه الشمس حين نام في الوادي بل صلى الصبح قضاء . ( فالجواب ) أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وكل يقظه إلى مخلوق وهو بلال الحبشي رضي اللّه عنه . وجواب آخر وهو الأحسن أن سليمان عليه الصلاة والسلام حكم عليه الوقت فلا تصح الصلاة إلا فيه ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم حكم على الوقت فتصح الصلاة فيه وفي غيره قضاء منه ومن أمته بل قد يخرجها عن وقتها عمدا ولا إثم عليه وذلك فيما لو بقي من الليل ما يسع العشاء فقط ، ولو اشتغل بها فاته الوقوف بعرفة فإنه يؤخرها عمدا أو يدرك الوقوف ويصليها قضاء لأن فوات الحج أعظم مشقة من فوات الصلاة مع أنها قد ردت له صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض الأوقات ، ورأيت أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان نائما ورأسه في حجر علي رضي اللّه عنه فلم يصل العصر حتى غابت الشمس فقال : « صليت يا علي » ؟ قال لا يا رسول اللّه قال : « اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس » فطلعت بعد ما غربت له . قال ابن العماد في الذريعة : إن الشمس ردت يوم الخندق بعد ما غربت حتى صلى العصر ذكره الطحاوي وقال : إن الرواة له ثقات ثم حسبت ليلة الإسراء فيكون وقوف الشمس حصل خمس مرات : مرتان له صلّى اللّه عليه وسلّم ومرة لعلي رضي اللّه عنه