عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
38
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
فلما وصلت إلى الماء خرجت ضفدع فحملتها على ظهرها وغاصت بها قليلا ثم رجعت فسألها سليمان عليه السلام عن ذلك فقالت : يا نبي اللّه في البحر صخرة صماء وفي وسطها دودة وقد وكلني اللّه برزقها كل يوم مرتين وخلق ملكا على صورة ضفدع فيحملني إلى الصخرة فتنشق فتأخذ الدودة مني وتقول : سبحان من خلقني وفي البحر أسكنني ومن الرزق لم ينسني ، اللهم كما لم تنسني من رزقك لا تنس أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من عفوك ورحمتك . ( حكاية ) قال أنس رضي اللّه عنه : خرجت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فرأينا طيرا أعمى يضرب بمنقاره على شجرة فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتدري ما يقول » ؟ قلت اللّه ورسوله أعلم قال : « يقول اللهم أنت العدل وقد حجبت عني بصري وقد جعت » فأقبلت جرادة فدخلت في فمه ثم ضرب بمنقاره على الشجرة فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتدري ما يقول » ؟ قلت : لا قال : « إنه يقول من توكل على اللّه كفاه » . ( حكاية ) قال مالك بن دينار رضي اللّه عنه : خرجت إلى الحج فرأيت طيرا في منقاره رغيف فتبعته فجاء إلى شيخ موثوق وصار يلقمه لقمة لقمة ثم طار وجاء بماء في فمه فسكبه في فم الشيخ فقلت له من أنت ؟ قال من الحجاج أخذني اللصوص وربطوني هاهنا فصبرت على الجوع خمسة أيام ثم قلت : يا من يجيب دعوة المضطر إذا دعاه أنا مضطر فارحمني فأرسل اللّه لي هذا الغراب ، قال مالك : فحللته من وثاقه ومضينا . وحكاه الرازي عن إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه في تفسير سورة الفاتحة . ( فائدة ) قال في نزهة النفوس والأفكار : الأغربة ثلاثة : غراب أبقع أي وهو الغاق ولحمه حلال عند مالك ، وغراب أسود وهو غراب البين لأنه يأتي منازل الناس بعد ما رحلوا عنها ولحمه حلال أيضا عند مالك رضي اللّه عنه وإذا علق منقاره على صغير حفظ من العين وغراب صغير الرأس أغبر وهو الزاغ إذا خلطت مرارته بمرارة الديك مع العسل واكتحل به أزال ظلمة البصر وإذا دهن به شعر الرأس سوده سوادا عجيبا ، وغراب الزرع نوع من الزاغ وهما حلالان عند الشافعي رضي اللّه عنه . ( فائدة ) رأيت في تفسير العلائي والقرطبي رضي اللّه عنهما في سورة هود عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] أن أبا موسى الأشعري وأصحابه رضي اللّه عنهم قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد قل زادهم فأرسلوا واحدا منهم يطلب لهم شيئا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسمعه يقرأ هذه الآية فقال الرجل : ما الأشعريون بأهون على اللّه عز وجل من الدواب فرجع ولم يدخل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال لأصحابه : أبشروا فقد جاءكم الغوث من اللّه فظنوا أنه كلم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوعده بشيء فبينما هم كذلك إذ جاءهم رجلان يحملان قصعة فيها خبز ولحم فأكلوا حتى شبعوا وذهبوا بالباقي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : يا رسول اللّه ما وجدنا طعاما أطيب من الذي أرسلته إلينا فقال : « ما أرسلت إليكم طعاما » فأخبروه بخبر