عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
348
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
سالما قال فرعون هذه العلامة الأولى فأراد أن ينظر إلى العلامة الثانية فامتحنه بتمرة وجمرة فأحرقت لسانه سترا من اللّه تعالى لحال موسى على فرعون الثاني أحرقت لسانه لأنه قال لفرعون يا أبت وسلمت يده لأنها صكت وجه فرعون الثالث أحرقت لسانه دون يده لأنه كان عليه السلام في خلقه حدة وعنده عجلة وسرعة فأراد اللّه منع لسانه عن النطق حتى لا يبوح بسر الرسالة قبل وقتها . ( قال مؤلفه رحمه اللّه ) وهذا الجواب أحسن من الثاني لأن اللسان أول ما يتحرك بقوله يا أبت . وفي كتاب العقائق قالت آسية لفرعون كيف تقتله وقد صار في منزلك وبين يديك كذلك العبد إذا قام إلى الصلاة بين يدي ربه في بيته يتجاوز عن عقوبته ويكرمه بإحسانه . قال العلائي في سورة القصص : إن كاهنا قال يا فرعون يولد مولود في بني إسرائيل يكون هلاكك على يديه فأمر بذبح الأطفال وهذا من سخافة عقله وحمقه فإنه إن صدق الكاهن لم ينفعه القتل وإن كذب فما معنى القتل ؟ قال وهب قتل سبعين ألف طفل ، وقال غيره مائة ألف وأربعين ألفا ، ووكل القوابل بالحوامل فكانت القابلة التي وكلها بأم موسى صديقة لها فلما وضعته دخل حبه في قلب القابلة فقالت لأمه احفظيه فإني أظنه عدونا فلما خرجت القابلة رآها بعض أتباع فرعون فأرادوا الدخول على أم موسى لينظروا هل وضعت أم لا فلفته بخرقة وألقته في التنور وكان مسجورا فلما دخلوا ولم يروا مولودا قالوا ما صنعت القابلة قالت هي صديقة لي ثم أخرجته من التنور سالما . قال القرطبي في سورة القصص ألقته في النار وهي دهشة قد طاش عقلها فلما خرجوا لم تعلم مكانه حتى سمعت بكاءه في التنور ثم أوحى اللّه إلى أمه في المنام وقيل قال لها جبريل ذلك فيكون وحي إعلام لا وحي رسالة كما كلمت الملائكة مريم وغيرها ولا يلزم من كلامهم الرسالة أن أرضعيه فأرضعته ثلاثة أشهر وقيل أربعة قال مجاهد كان الوحي قبل الولادة وقال السدي بعدها ، قال القرطبي فالأول أظهر والثاني يساعده قوله تعالى : فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [ القصص : 7 ] وهو نيل مصر وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ [ القصص : 7 ] والخوف من شيء لم يقع ، والحزن من شيء وقع فذهبت إلى نجار فقالت اصنع لي تابوتا قال ولم ؟ قالت أخبئ فيه ولدي وكرهت الكذب فلما وضعته في التابوت انطلق النجار ليخبر الذباحين فأمسك اللّه لسانه فأشار بيده فلم يفهموا فلما رجع انطلق لسانه فرجع إليهم فانعقد لسانه وأخذ اللّه ببصره فقال في نفسه إن رد اللّه علي بصري وأطلق لساني أكن مع هذا الغلام ولا أدل عليه أحدا فرد اللّه عليه بصره وأطلق لسانه فخر ساجدا وقال يا رب دلني على هذا العبد الصالح فدله اللّه عليه فآمن به ، قال الماوردي : وهو مؤمن آل فرعون . وقال القرطبي : هو أيضا الذي قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك أي يتشاورون على قتلك واسمه حزقيل وهو ابن عم فرعون وقيل اسمه شمعان قال الدارقطني ولا يعرف شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون . ( فائدة ) إشارة الناطق لغو إلا فيما لو أشار مسلم إلى كافر فانحاز من صف الكفار إلى صف المسلمين ، وإشارة الكافر بالقبول إشارة مفهمة وقال كل منهما أردت الأمان كان أمانا