عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

337

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

عبادة سبعين سنة ؟ فدخلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال صدقوا ادعهم لي فدعوتهم فسأل أبو هريرة عن تفكره فقال في خلق السماوات والأرض فقال تفكرك خير من عبادة سنة ، ونظر صلى اللّه عليه وسلم إلى السماء وقال تبارك خالقها ورافعها وممدها وطاويها طي السجل ثم نظر إلى الأرض فقال تبارك خالقها وممدها وطاحيها أي داحيها . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : لقد أنزلت علي آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها . وفي رواية ويل له ويل له عشر مرات وهي إن في خلق السماوات والأرض ثم سأل ابن عباس رضي اللّه عنهما عن تفكره فقال في الموت وأهواله فقال تفكرك خير من عبادة سبع سنين . وفي حديث آخر لا عبادة كالتفكر فإنه يذهب الغفلة ويحدث للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع ذكره الرازي ، ثم قال في قوله تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ آل عمران : 191 ] فأشار إلى عبادة اللسان بقوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ وإلى عبادة الجوارح بقوله : قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وإلى عبادة القلب بقوله : وَيَتَفَكَّرُونَ وفي عدم ذكر القفا دقيقة لطيفة وهي أن الاستلقاء على القفا يمنع من استكمال الفكرة والتدبر والاضطجاع على الجنب لا يمنع من ذلك لكونه أقرب إلى اليقظة وأبعد عن النوم . واعلم أنه ذكر في البقرة ثماني دلائل فمنها الفلك التي تجري في البحر والرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض وذكر في آل عمران ثلاث دلائل لأن الإنسان في أول أمره يحتاج إلى كثرة الأدلة على وجود اللّه تعالى فإذا رسخ الإيمان في قلبه لا يحتاج إلى كثرة الدلائل . وقال في البقرة لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة : 164 ] وفي آل عمران لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ آل عمران : 190 ] لأن الإيمان إذا رسخ في القلب صار العقل صافيا وهو اللب . وقوله تعالى حكاية عن أوليائه رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 193 ] وهو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي ما خلق اللّه هذا خلقا باطلا ، وقيل إنه منصوب بنزع الخافض أي ما خلقت هذا بالباطل ، قال في الكشاف : يجوز أن يكون حالا من هذا . وقوله تعالى حكاية عنهم رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا [ آل عمران : 193 ] الغفران يكون بالتوبة والتكفير بكثرة الطاعات واعلم أنه تعالى حكى عنهم في هذه الآية أنهم قالوا ربنا خمس مرات . قال جعفر الصادق : من قالها خمسا أعطاه اللّه ما سأل وأنجاه مما يخاف . ثم سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر عن تفكره فقال في النار وأهوالها وقلت يا رب اجعلني يوم القيامة عظيما حتى أملأ جهنم وحدي حتى يصدق وعدك ولا تعذب أحدا من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم فقال تفكرك خير من عبادة سبعين سنة ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أرأف أمتي بأمتي أبو بكر وأشار رضي اللّه عنه بقوله حتى يصدق وعدك إلى قوله لأملأن جهنم . ( لطيفة ) قال الدامغاني : جعل التابوت لبني إسرائيل فيه السكينة وهي طست من ذهب يغسل فيه قلوب الأنبياء وفيه عصا موسى وعمامة هارون والألواح وهرة من زمرذ ظهرها من در وبطنها من ياقوت وذنبها من لؤلؤ فإن أرادوا القتال جعلوا ذلك التابوت أمامهم فتصيح الهرة فيخرج من التابوت ريح ونور وظلمة فتنور على المؤمنين وتظلم على الكفار فينصرون عليهم