عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
32
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
« لا تسبوا الدنيا فإنها نعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الجنة وبها ينجو من النار » رواه الطبراني . ( فإن قيل ) قد جاء في الحديث الآخر : « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه تعالى » فما الجمع بين الحديثين ؟ ( فالجواب ) الدنيا هي الملعونة التي أخذت بغير حق أو صرفت لغير مستحقها قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام ، وتقدم في باب الصلاة : « الدنيا سوق الآخرة » . ( لطيفة ) لما مر سليمان عليه السلام بوادي النمل قالت نملة : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ النمل : 18 ] وإنما قالت ذلك خوفا على قلوبهم أن تميل إلى الدنيا فلما سلم عليها سليمان قالت : وعليك السلام أيها الفاني المشتغل بملكك فأنت تظن يا سليمان أن ذلك أمرا ونهيا فأنا نملة ضعيفة لي أربعون ألف مقدم تحت يد كل مقدم أربعون صفا من النمل كل صف من المشرق إلى المغرب فقال : كيف تلبسون السواد ؟ قالت لأن الدنيا دار مصيبة ولباس أهل المصائب السواد ، قال : فما هذا الحز الذي في وسطك ؟ قالت هذه منطقة الخدمة للعبودية قال : فما بالكم تبعدون عن الخلق ؟ قالت لأنهم في غفلة فالبعد عنهم أولى قال : فما بالكم عراة ؟ قالت هكذا ولدنا إلى الدنيا وهكذا نخرج منها ، قال : فكم تأكلين ؟ قالت حبة أو حبتين قال ولم ؟ قالت لأنا على سفر والمسافر كلما خف حمله خف ظهره ، قال : اطلبي مني حاجة قالت : أنت عاجز والطلب منك غير جائز قال : لا بد من الطلب قالت : زد في رزقي وفي عمري قال : اطلبي شيئا يكون في يدي قالت : إن اللّه يقضي حوائج المحتاجين قال : ما اسمك ؟ قالت منذرة أنذر أصحابي من الدنيا الساحرة وأرغبهم في الآخرة . وفي رواية اسمها طاحية ، وفي رواية حرمن ، ثم قالت : يا سليمان ما أفخر ما أوتيت في ملكك ؟ قال الخاتم لأنه من الجنة قالت : تعلم معناه ؟ يعني الذي أعطيناك من الدنيا في يدك بقدر فص هذا الخاتم ثم قالت له : هل غير هذا ؟ قال نعم بساط من الجنة على ظهر الريح قالت : هذا تنبيه على أن جميع ما معك كمثل الريح اليوم وغدا يزول عنك ، قال : فإن غدوها شهر ورواحها شهر قالت : فيه إشارة إلى أن عمرك يطير وأنت مستعجل في المسير ، فزاد عجب سليمان . ثم قالت له : يا سليمان هل غير هذا ؟ قال نعم قد علمني ربي منطق الطير قالت له : فيه إشارة إلى أن الخالق يقول لك إن الخلق اشتغلت بخدمتك فاشتغل أنت بخدمتي ثم قالت له : هل غير هذا ؟ قال إني أستأنس بفص الخاتم لأن عليه اسم اللّه قالت بالمسمى يغنيك عن الاسم فعندها تعجب سليمان من النملة ومن كلامها وقد تحقق أن ملكه في ملك اللّه لا يساوي خردلة فودعها وعادت إلى حال سبيلها وعاد وهو متعجب فانظر يا أخي رحمك اللّه إلى حكمة مولاك لأنه يؤدب أولياءه وأنبياءه بأضعف خلقه انتهى . ( فائدة ) : أراد الحسن أن ينقش على خاتمه فلم يدر ما يكتب عليه فرأى عيسى ابن مريم عليه السلام في منامه فسأله عن ذلك فقال : اكتب عليه لا إله إلا اللّه الملك الحق المبين فإنها تذهب الغم والحزن وهي خاتمة الإنجيل ، وكان نقش خاتم الإمام مالك رضي اللّه عنه حسبي اللّه ونعم الوكيل ، وخاتم موسى عليه السلام لكل أجل كتاب . وقال معاذ رضي اللّه عنه :