عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

171

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

وأنبت لنا الزرع وصار محمد صلى اللّه عليه وسلم يكبر في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة فلما بلغ عامين وقيل أكثر قدمت به حليمة على أمه آمنة وأخبرتها بما رأته من بركاته الظاهرة فقالت لها ارجعي به فإني أخاف عليه من وباء مكة ، وفي السنة الثالثة ولد أبو بكر رضي اللّه عنه وفي الرابعة قال يا أماه ما لي لا أرى إخوتي في الحي نهارا قلت إنهم يرعون الأغنام التي رزقنا اللّه إياها ببركتك فقال دعيني أخرج معهم إلى المرعى وأقسم علي فلما كان من الغد تحزم وأخذ عصا ومزادة وأنشد في المعنى : بأغنامه سار الحبيب إلى المرعى * فيا حسنه راع فؤادي له يرعى فما أحسن الأغنام وهو يسوقها * لقد آنس الصحراء وقد أوحش الربعا جميل على معنى محاسن وجهه * كأن بدور التم قد طبعت طبعا أقول له إذ سار في البر ماشيا * وأغنامه من حوله تطلب الرتعا عيونك يا راعي الحمى فتكت بنا * فقوم بها قتلى وقوم بها صرعى وحزت جمالا حير الخلق وصفه * وسرا خفيا أنبت العشب والمرعى فلولاك يا راعي الحمى ما تشوقت * قلوب إلى واد العقيق ولا الجرعى حبيبي طبيبي أنت راعي قلوبنا * فلولاك يا مختار ما ذكر المسعى قالت حليمة رضي اللّه عنها : وغاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يومه ذلك فلما قرب المساء خرجنا لملاقاته على طريق المرعى فإذا به قد أقبل والأنوار تسبقه والأغنام تلوذ به وكان في الغنم شاة رماها أخوه ضمرة فكسر ساقها فجعلت تلوذ به صلى اللّه عليه وسلم كالشاكية إليه فقبض بيده الكريمة على ساقها فكأن الوجع لم يكن ثم قالت لولدها ضمرة : كيف وجدت أخاك القرشي ؟ قال يا أماه ما مر بحجر ولا مدر ولا سهل ولا جبل ولا شجر ولا وحش ولا طير إلا ويقول السلام عليك يا رسول اللّه ، ولا يطأ موضعا إلا ونبت العشب فيه ، قال ابن أبي جمرة في شرح البخاري : حتى موضع دابته التي يركبها يخضر في الحال وإذا استقينا من بئر فار الماء من أعلاه ولقد دخلنا واديا الوحش فيه كثير فإذا نحن بسبع عظيم قد جمع نفسه يثب علينا فلما نظر إلى أخينا محمد تقدم وخضع له ورمى نفسه إلى الأرض وتكلم بكلام فصيح وقال : السلام عليك يا محمد فتقدم إله وكلمه في أذنه فذهب الأسد يعدو فقالت يا نبي اكتم هذا عن أهلك ثم عطفت الأغنام عليها تشخب لبنا وهي كالعرائس ، وكان محمد صلى اللّه عليه وسلم يخرج مع أخوته كعادته فما يرجعون إلا وقد رأوا له معجزات باهرات وآيات بينات ، ثم في بعض الأيام جاء أخوه يشتد عدوا وقال يا أماه قد قتل أخي القرشي فخرج القوم وأنا في أولهم فوجدناه على صخرة عظيمة يتبسم فقلت ما شأنك يا بني قال جاءني ثلاثة نفر فشقوا صدري وأخرجوا منه حظ الشيطان وختموا بين كتفي بخاتم النبوة ، قال العلائي : مكتوب في باطن الخاتم اللّه وحده لا شريك له وفي ظاهره توجه حيث شئت فإنك منصور وهو لحم مثل البندقة . وفي صحيح مسلم كبيضة الحمامة . وفي جامع الترمذي كالتفاحة . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : كالتينة الصغيرة ، فلما مات صلى اللّه عليه وسلم لمسته فلم أجده .