عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

112

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( الثانية ) قال رجل لابن مسعود رضي اللّه عنه : عملت ذنبا هل من توبة ؟ فأعرض عنه ثم التفت إليه فرأى عينيه تذرفان بالدمع فقال له : إن للجنة ثمانية أبواب كلها تغلق وتفتح إلا باب التوبة فإن عليه ملكا موكلا لا يغلقه إلى يوم القيامة فلا تيأس من رحمة اللّه ، وقيل إنما هلك إبليس لأنه لم ير وجوب التوبة ولم يعترف بخطيئته فلم يتب وتكبر وقنط من رحمة اللّه ، وآدم عليه الصلاة والسلام سعد لأنه اعترف بذنبه ورأى أن التوبة واجبة فتاب إلى ربه وتواضع ولم ييأس من رحمة اللّه تعالى . ( الثالثة ) قال عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه : ألا أحدثكم عن كتاب منزل في بني إسرائيل إن العبد إذا عمل ذنبا ثم ندم عليه طرفة عين سقط عنه أسرع من طرفة عين . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به إلى الجنة قيل : وكيف يا رسول اللّه ؟ قال : يكون نصب عينيه تائبا فارا منه حتى يدخل الجنة » قال الغزالي رضي اللّه عنه : تجب التوبة على الفور لقوله تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [ النساء : 17 ] أي عن قرب عهد بالخطيئة فإذا بادروا بالتوبة سريعا محيت المعصية كالنجاسة إذا كانت رطبة فإزالتها سهلة . وقال تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] ولا طاقة لظلمة المعصية مع نور الحسنة ، كما لا طاقة لكدرة الوسخ مع بياض الصابون . قال الرازي : المراد بالقرب في قوله تعالى : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [ النساء : 17 ] حضور زمان الموت لأن الأجل آت وكل آت قريب ، أما من تاب بعد المعصية بزمان طويل وقبل الموت بزمان بعيد فهو خارج عن المخصوصين بختم التوبة على اللّه تعالى لأن اللّه تعالى خصهم بإنما التي هي للحصر بل هو من جملة الموعودين بقوله تعالى : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 102 ] وبينهما تفاوت عظيم . واختلف المفسرون في تفسير الجهالة فالأكثرون أن كل من عصى اللّه فهو جاهل لأنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب ما قدم على المعصية ، وتقدم أن المعصية ظلمة سراجها التوبة . قال الحناطي رضي اللّه عنه : الموت ثلاثة : موت النفس فيكفن في كفن العفو ويحنط بحنوط المغفرة ويدفن في مقابر أهل الجنة ، وموت الروح يكفن في كفن الفرقة ويحنط بحنوط القطيعة ويدفن في مقابر الوحشة ، وموت القلب يكفن في كفن الملامة ويحنط بحنوط الندامة ويدفن في مقابر العقوبة ، فمن ماتت نفسه عدم دنياه ، ومن ماتت روحه عدم مولاه ، ومن مات قلبه عدم أخراه . ( الرابعة ) عن عمر رضي اللّه عنه قال : دخلت على مريض من الأنصار مع النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو في سكرات الموت فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : تب فلم يقدر أن ينطق بلسانه فجال بطرفه نحو السماء فتبسم النبي صلى اللّه عليه وسلم فسئل عن ذلك فقال لما لم يقدر بلسانه أومأ بقلبه إلى السماء وندم قال اللّه تعالى : يا ملائكتي عبدي عجز عن التوبة بلسانه فندم بقلبه أشهدكم أني قد غفرت له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر . وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه جاءه جبريل عند موته فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك : من تاب قبل موته بسنة قبلت توبته فقال يا جبريل سنة لأمتي كثيرة فغاب ثم