عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
96
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
على بدنه فسلطه عليه فتعلق به مثل الجدري ينبع منه القيح والدم فأخرجوه من بلده وأكله الدود غير قلبه ولسانه فتحير إبليس من صبره فتصور لزوجته رحمة في صورة حسنة وقال : ما أصاب البلاء أيوب إلا أنه سجد لإله السماء ولم يسجد لإله الأرض فقالت : ومن إله الأرض فقال : أنا فاسجدي لي سجدة أرد عليه ذلك فقالت : حتى أستأذنه فلما استأذنته قال : لأجلدنك مائة جلدة حيث لم تقولي له إله السماء وإله الأرض واحدا ، قال الرازي في قوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [ الأنعام : 100 ] نزلت في قوم قالوا : إن اللّه خلق الإنسان والنبات وفاعل للخيرات وإبليس خالق للعقارب والحيات والسباع والحشرات فكذبهم اللّه تعالى بقوله : وَخَلَقَهُمْ [ الأنعام : 100 ] فكيف يكون المخلوق شريكا للخالق ؟ فلما أراد اللّه كشف الضر عن أيوب أرسل جبريل برمانة وسفرجلة فلما أكلهما تناثر الدود ثم أمره أن يضرب برجله اليسرى الأرض فخرج منها ماء حار وماء بارد فشرب من البارد واغتسل من الحار فرده اللّه إلى أحسن حال ، فأراد أن يجلد زوجته لأجل القسم فأفتاه اللّه شفقة عليها بأن يأخذ بيده ضغثا أي مائة من أصول السنبل كذلك المؤمن تصيبه الحمى في الدنيا لأجل ما أقسم اللّه بقوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] وفي رواية أنه كان في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات . وذكر الكلاباذي أنه لما عوفي أيوب وقع في قلبه أنه صبر فنودي بعشرة آلاف صوت من فوق عشرة آلاف غمامة يا أيوب أنت صبرت أم نحن صبرناك ؟ فقال : يا رب صبرتني . وقال القرطبي في تفسيره : وأوحى اللّه إليه لولا أني وضعت تحت كل شعرة صبرا لما صبرت فأرسل اللّه سبحانه وتعالى سحابة على قدر داره فأمطرت عليه ثلاثة أيام جرادا من ذهب فقال له جبريل : هل شبعت ؟ قال : ومن يشبع من فضل اللّه ؟ ثم صحح أن مدة بلائه ثمان عشرة سنة . قال الرازي في صورة الأنبياء قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن أيوب بقي في بلائه ثمان عشرة سنة » ، ثم ذكر أن إبليس صاح من صبر أيوب فاجتمع عليه الشياطين فقالوا ما لك ؟ قال أعياني صبر أيوب فقالوا : أين مكرك الذي أهلكت به من مضى ؟ فقال : ذهب كله في أيوب فقالوا : كيف أخرجت آدم من الجنة ؟ قال : بسبب زوجته حواء فقالوا : خذ أيوب من قبل زوجته فقال لها : قولي لأيوب يذبح هذه السخلة ولا يسمي اللّه تعالى عليها فيبرأ فجاءته بها فقالت : يا أيوب اذبح هذه السخلة كما قال لها إبليس فقال : كم مكثنا في الرخاء والنعمة ؟ قالت : ثمانين سنة فقال : ما أنصفت ربك حتى نصبر ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ولئن شفاني اللّه تعالى لأجلدنك مائة جلدة واللّه أعلم . ( حكاية ) : كتب النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى معاذ رضي اللّه عنه لما مات ولده : « سلام اللّه عليك فإني أحمد اللّه الذي لا إله إلا هو أما بعد فأعظم اللّه لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر ثم إن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب اللّه المستودعة وعواريه المستردة يمتع اللّه بها إلى أجل معدود ويقبضها لوقت معلوم ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى والصبر إذا ابتلى وكان ابنك هذا من مواهب اللّه تعالى المستودعة وعواريه المستردة متعك اللّه به في غبطة وسرور وقبضه بأجر كثير إن صبرت واحتسبت » .