عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

76

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

ذلك البيت غيري . وعن يحيى بن معاذ الرازي : قلب المؤمن مضغة جوفانية حشوها جوهرة ربانية حولها روضة فردانية تحتها ساحة نورانية وفي كتاب اللؤلؤيات عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « ألا وإن للّه آنية في الأرض وهي القلوب فأحبها إلى اللّه أصفاها وأرقها أصفاها وأصلبها من الذنوب وأصلبها في الدين وأرقها على الإخوان » وقال داود عليه السلام : يا رب لكل ملك خزانة فما خزانتك ؟ قال : لي خزانة أعظم من العرش وأوسع من الكرسي وأطيب من الجنة وأنور من الشمس وهي قلب المؤمن . وقال الشيخ عبد القادر الكيلاني : أول ما يطلع في قلب المؤمن نجم الحلم ثم قمر العلم ثم شمس المعرفة فبضوء نجم الحلم ينظر إلى الدنيا ، وبضوء قمر العلم ينظر إلى الآخرة ، وبضوء شمس المعرفة ينظر إلى المولى . النفس المطمئنة نجم والقلب السليم قمر والسر الصافي شمس مقام النفس في الباب ، ومقام القلب في الحضرة ، ومقام السر قائم بين يدي اللّه تعالى يلقن القلب وهو يلقن النفس وهي تملي على اللسان واللسان يملي على الخلق . ( لطائف : الأولى ) : اشترى اللّه الأنفس دون القلوب لكثرة عيوبها فاشتراها ليصلحهم ، ولأن القلب وقف على محبة اللّه والموقوف لا يصح بيعه ، وسيأتي في باب الجهاد زيادة إن شاء اللّه تعالى . قال القشيري : ثمن النفس الجنة وثمن القلب المشاهدة . ( الثانية ) : أعطى اللّه مفتاح الجنة لرضوان ، ومفتاح جهنم لمالك ، ومفتاح الكعبة لبني شيبة وفيه نزل : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( 58 ) [ النساء : 58 ] ولما قبض النبي صلى اللّه عليه وسلم المفتاح قال لعثمان بن طلحة : هاك أمانة اللّه خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ، ولم يعط مفتاح قلب المؤمن لأحد لأنه خزانته فلا يقدر أحد من الشياطين عليها كما لا يقدر أحد على خزانة أحد من ملوك الدنيا فذلك قوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] . ( الثالثة ) : زين اللّه السماء بالنجوم وحفظها من الشياطين وزين قلب المؤمن بالمعرفة وحفظه له بل هو أحق من السماء بالحفظ . وقيل في قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [ الملك : 5 ] أي زين قلوب الأولياء بالمعرفة وحصل فيها مصابيح الهداية وقلوب المحبين بالشوق وقلوب المتوكلين باليقين وقلوب العارفين بالخوف والرجاء . ( الرابعة ) : لما قصد أبرهة خراب البيت أرسل اللّه عليهم طيرا أبابيل أي كثيرة ترميهم بحجارة من سجيل أي من طين مشوي مع كل طير حجر في فمه وحجران في رجليه يمرق الحجر من الفارس وفرسه ، كذلك الشيطان إذا قصد فساد قلب المؤمن يرسل اللّه تعالى عليه حجارة اللعنة . ( الخامسة ) : خلق اللّه اللسان واحدا والقلب واحدا دون غيرهما من الأعضاء إشارة إلى أنه لا يذكر بالواحد إلا الواحد ولا يكون في الواحد إلا الواحد . وفيه حكمة أخرى وهي أن