عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

70

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

أحبك في اللّه فقال له أبشر فإني سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ينصب لطائفة من أمتي كراس حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع منه الناس ولا يفزعون ويخاف الناس ولا يخافون وهم أولياء اللّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون » ، قيل : يا نبي اللّه من هم ؟ قال : « المتحابون في اللّه » قاله في عوارف المعارف . ( واعلم ) أن المحبة تكون مباحة بأن يحب عامة الناس ومكروهة وهي محبة الدنيا ونافلة وهي محبة الأهل والولد وفرضا وهي محبة اللّه ورسوله ومحبة الرسول مستلزمة لمحبة اللّه ، قال اللّه تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) [ آل عمران : 31 ] وقال سهل بن عبد اللّه في قوله تعالى : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً [ لقمان : 20 ] وهي اتباع النبي صلى اللّه عليه وسلم وَباطِنَةً [ لقمان : 20 ] وهي محبته . وقيل الظاهرة الإسلام والباطنة غفران الذنوب . وقرأ أبو عمرو ونافع نعمه بفتح العين وضم الهاء والباقون بسكون العين والتنوين ومن علامة المحبة اتباع المحبوب في الأمر والنهي وإلا فليست بمحبة تامة كما قيل : تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع ( لطيفة ) عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة » وقال أبو بكر رضي اللّه عنه : وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث : الجلوس بين يديك وإنفاق مالي عليك والصلاة عليك . وقال في الرياض النضرة : قالت عائشة رضي اللّه عنها : أنفق أبو بكر على النبي صلى اللّه عليه وسلم أربعين ألفا . وقال عمر رضي اللّه عنه : وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود . وقال عثمان رضي اللّه عنه : وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام . وقال علي رضي اللّه عنه : وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث : الضرب بالسيف وإقراء الضيف والصوم في الصيف ، فنزل جبريل وقال : يا نبي اللّه وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث : النزول على النبيين وتبليغ الرسالة للمرسلين والحمد للّه رب العالمين ثم قال : إن اللّه تعالى يقول : وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث : لسان ذاكر وقلب شاكر وجسد على البلاء صابر ، فالعمل بهذا كله من علامات المحبة لمن أراد الدخول في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من أحبني كان معي في الجنة » وفي أول الحديث إشارة تأتي في أول باب الزهد إن شاء اللّه تعالى . ولما وصل هذا الحديث إلى الأئمة الأربعة قال الإمام أبو حنيفة رضي اللّه عنه : وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث : تحصيل العلم في طول الليالي وترك الترفع والتغالي وقلب من حب الدنيا خالي . وقال الإمام مالك رضي اللّه عنه : وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث : مجاورة روضته صلى اللّه عليه وسلم وملازمة تربته وتعظيم أهل بيته . وقال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث : الخلق بالتلطف وترك ما يؤدي إلى التكلف والاقتداء بطريق التصوف . وقال الإمام أحمد رضي اللّه عنه : وأنا حبب إلي من دنياكم ثلاث : متابعة النبي صلى اللّه عليه وسلم في أخباره والتبرك بأنواره وسلوك طريق آثاره .