عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

5

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي قص لنا من آياته عجبا ، وأفادنا بتوفيقه إرشادا وأدبا ، وجعل القرآن دافعا عنا مقتا وغضبا ، وأنزله هدى ورحمة ووعيدا ورهبا ، وأرسل فينا رسولا كريما نجبا ، أطلعه على الحقائق ففاق أخا وأبا ، وعرض عليه الجبال ذهبا فأعرض عنها ونأى وأبى ، وخصنا بشريعته القويمة وحبا ، فآمنا وصدقنا وله الفضل علينا وجبا ، لأنه ادخر لنا في خزائن الغيب وخبا ، أحمده سبحانه وتعالى وأشكره وأتوب إليه وأستغفره حمدا أرغم به أنف من جحد وأبى ، وأبلغ به من فضله الواسع رشدا وأربا ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة تكون للنجاة سببا ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المجتبى ، أشرف البرية حسبا وأطهرهم نسبا ، صلى اللّه عليه وعلى آله السادة النجبا ، وأصحابه الذين سادوا الخليقة عجما وعربا . أما بعد فإن النفس لها ارتياح إلى سماع القصص الملاح وأخبار أهل الخير والصلاح ، فأجبتها إلى مقصودها راغبا في الثواب من معبودها ، بشرط الإعراض عن فساد الأعراض ، ملتمسا بذلك من أخ صالح نظر فيه دعوة صالحة فلله أوقات فيها المقاصد ناجحة ، وأستمد العون والجد من المقدس عن الجهة والحد ، وأسأله التوفيق والعناية وكرمه إنه أرحم الراحمين ، وأن يشرك معنا في ذلك من يقول آمين ، والمؤمنين كلهم أجمعين . اعلم وفقني اللّه وإياك لما يرضى ، وأعاذني وإياك من سوء القضا ، أني أقدم قبل الشروع في المقصود ما نقله غير واحد عن أبي القاسم الجنيد رحمه اللّه تعالى ، أنه سئل عن حكايات الصالحين فقال : هي جند من جنود اللّه تعالى يقوم بها أحوال المريدين ، ويحيا بها معالم أسرار العارفين ، ويهيج بها خواط المحبين ، ويجري بها دموع المشتاقين ، قيل : فهل على ذلك من دليل ؟ قال : نعم قوله تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : 120 ] فأحببت لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اذكروا الصالحين يبارك عليكم » وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة » أن أجمع ما تيسر من أخبارهم ، وما اشتملوا عليه في العبادة في ليلهم ونهارهم ، وأن أطرز ذلك باللطائف والفوائد السنية ، والزواجر للنفوس الغوية من المواعظ القوية ، مع ما أذكره من المسائل الفقهية والمنافع الطبية ، وقطرة من مناقب خير البرية ، من هو حي في قبره حياة حقيقية ، وذاته في ضريحه المكرم على الفراش طرية ، وأزواجه وأصحابه وأمته المرضية ، وقد جعلته أبوابا وفصولا حوت معاني قوية ، وسميته : « نزهة المجالس ومنتخب النفائس » وختمته بذكر الجنة رجاء أن نؤول إليها بالفضل والمنة ، ومنه التوفيق وبه الإعانة . وهذا سرد ما اشتمل عليه من الأبواب والكتب والفصول باب في الإخلاص .