عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

272

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( فائدة ) : ذكر المفسرون في قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [ الرعد : 39 ] وجوها ( الأول ) أنه يزيد في العمر والرزق وينقصهما ويمحو الشقاوة ويثبت السعادة وهذا التأويل رواه جابر بن عبد اللّه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ( الثاني ) أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة ويثبت غيره لأنهم مأمورون بكتابة كل قول وفعل . ( الثالث ) أنه يمحو الذنب من الديوان بالتوبة بعد إثباته . ( الرابع ) أنه يمحو القمر ويثبت الشمس . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : جعل اللّه تعالى الشمس سبعين جزءا والقمر كذلك فمحاه من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعله مع نور الشمس ولولا ذلك لم يعرف الليل والنهار ، وقيل يمحو الدنيا ويثبت الآخرة ، وقيل إن الرزايا والمصائب يثبتها ثم يمحوها الدعاء . فإن قيل : قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة فكيف يستقيم المحو والإثبات ؟ فالجواب يمحو ما سبق في علمه أنه يمحوه ويثبت ما سبق في علمه أنه يثبته ، قال الرازي في إثبات الحوادث في اللوح المحفوظ أن لتعلم الملائكة أن اللّه أعلم بجميع المعلومات فعلى هذا عنده كتابان : أحدهما الذي كتبته الملائكة وذلك هو محل المحو والإثبات ، والثاني هو اللوح المحفوظ الذي لا يتغير مكتوبه ولا ينظر فيه إلا اللّه تعالى . ( حكاية ) دخل رجل على الشيخ منصور البطائحي رضي اللّه عنه زائرا فلما رآه قال الشيخ لأصحابه : قرأت بين عينيه سطر الشقاوة فعلم الرجل بذلك فهام على وجهه حتى دخل على الشيخ أحمد الرفاعي رضي اللّه عنه فأشار بيده في الهواء كأنه يمحو شيئا وقال : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [ الرعد : 39 ] فانصرف الرجل إلى الشيخ منصور فقال : قد نقله اللّه من ديوان الشقاوة إلى ديوان السعادة ببركة الشيخ أحمد الرفاعي رضي اللّه عنهما . ( فائدة ) قال موسى عليه السلام : يا رب كيف أصل رحمي وقد تباعدت عني ؟ قال : أحبب لها ما تحب لنفسك . وفي شريعتنا المطهرة تحصل الصلة بإرسال الهدية والسلام . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن أعمال بني آدم تعرض علي كل خميس وليلة جمعة فلا يقبل اللّه عمل قاطع رحم » رواه الإمام أحمد . ( حكاية ) : قال عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه : كنت صديقا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن أسلم وما أسلمت إلا حياء منه ولكن لم يستقر الإسلام في قلبي فجلست عنده يوما فكأنه يكلم غيري فسألته عن ذلك فقال : « جاءني جبريل بهذه الآية : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] فاستقر الإسلام في قلبي فأخبرت أبا طالب فقال : اتبعوا محمدا تفلحوا فإنه يأمر بمكارم الأخلاق ويدعوكم إلى الخير فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فطمع في إسلامه فلم يسلم ، والآية نزلت في صلة الرحم . ( لطيفة ) أول من مات من المهاجرين ودفن بالبقيع عثمان بن مظعون بعد سنتين ونصف من الهجرة وكان إسلامه وإسلام أبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنهم في ساعة واحدة . ( فائدة ) عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو لهما بعد موتهما فيكتب عند اللّه من البارين » وروى الطبراني في الأوسط وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من زار قبر والديه أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب له براءة من النار » .