عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
265
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
« كل الأعاجيب في بني إسرائيل فحدثوا عنهم ولا حرج ولأحدثنكم بحديث العجوزين قال : كان رجل في بني إسرائيل له امرأة يحبها وله أم عجوز وأم امرأته عجوز أيضا وكانت تغري ابنتها بأم زوجها وكان العجوزان قد ذهب بصرهما فلم تزل به امرأته حتى خرج بأمه ووضعها في فلاة من الأرض ليس معها طعام ولا شراب لتأكلها السباع ثم انصرف عنها فغشيتها السباع فجاءها ملك فقال : ما هذه الأصوات التي أسمع حولك ؟ قالت خيرا هذه أصوات إبل وبقر وغنم قال خيرا فيكن إن شاء اللّه ثم انصرف عنها فلما أصبحت أصبح الوادي ممتلئا إبلا وبقرا وغنما فقال ابنها : لو جئت فنظرت ما فعلت أمي فجاء فإذا الوادي قد امتلأ من الإبل والبقر والغنم فقال : أي أماه ما هذه ؟ فقالت يا بني عققتني وأطعت امرأتك فاحتمل أمه وساق معها ما أعطاها اللّه تعالى ورجع بأمه إلى امرأته فقالت له امرأته : واللّه لا أرضى حتى تذهب بأمي فتضعها حيث وضعت أمك فانطلق بها فلما أمست غشيتها السباع فجاءها الملك الذي جاء لأمه فقال : أيتها العجوز ما هذه الأصوات ؟ قالت شرا هذه أصوات سباع تريد أن تأكلني فقال شرا فليكن ثم انصرف فجاءها سبع فأكلها فلما أصبح قالت امرأته : اذهب فانظر ما فعلت أمي ؟ فذهب فما وجد منها إلا ما فضل عن السبع فأخذ عظامها وأتى امرأته فماتت كمدا » . ( موعظة ) قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من فضل زوجته على أمه فعليه لعنة اللّه والملائكة ولا يقبل منه صرف ولا عدل » يعني فريضة ولا نفلا . قال النووي رحمه اللّه تعالى في الفتاوى : ولا يؤثم من فضل زوجته على أمه في النفقة إذا قام بكفايتها أو لزمه والأفضل الأم فإن كان ولا بد من تفضيل الزوجة فالأفضل أن يخفيه عن الأم . ( لطيفة ) قال رجل للإمام الليث بن سعد رضي اللّه عنه : إن أبي ببلاد السودان وقد كتب إلي أن أذهب إليه فمنعتني أمي قال : أطع أباك ولا تعص أمك فسأل الإمام مالكا عن ذلك فقال : أطع أباك ولا تعص أمك ( قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى ) الذي فهمته من قول الإمام مالك رضي اللّه عنه أن طاعة الأم أمر لازم وأولى لأن قوله تعالى أطع أباك مصلحة وقوله ولا تعص أمك أمر بترك المفسدة وترك المفاسد أولى من جلب المصالح إلا في مسألة جلب المصلحة أولى من دفع المفسدة وذلك فيما لو ماتت وفي جوفها ولد ترجى حياته فشق جوفها مفسدة ، وإخراج الولد مصلحة فإخراج الولد هنا واجب ، قال في الروضة في باب الهبة : يسن للولد أن يعدل في هبته لأبويه كما يسن للوالد أن يعدل في هبته لأولاده أي البارين فإن أراد الولد أن يزيد أحد أبويه على الآخر فالأم أولى . ( حكاية ) كان لرجل ثلاثة أولاد فمرض فقال كبيرهم لإخوته : اعطوني خدمته ولكم ميراثه ففعلوا فخدمه حتى مات فرأى في منامه قائلا يقول : اذهب إلى موضع كذا وخذ منه دينارا قال وفيه البركة ؟ قال لا فتركه ، ثم رأى في الليلة الثانية كذلك وفي الثالثة مثلها فلما أصبح أخذه واشترى به سمكة فوجد فيها جوهرتين فباعهما للسلطان بستين ألف دينار ، ثم رأى في منامه قائلا يقول له : هذا بخدمتك لأبيك .