عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
24
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
( حكاية ) : رأيت في تفسير قوله تعالى : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [ طه : 44 ] قال موسى : يا رب كيف يكون القول اللين ؟ قال : قل له هل لك في الصلح رغبة فقد أتعبت نفسك أربعمائة وخمسين عاما فاتبع مرادنا سنة واحدة يغفر لك جميع ذنوبك فإن لم تفعل فشهرا فإن لم تفعل فأسبوعا فإن لم تفعل فيوما واحدا فإن لم تفعل فساعة واحدة فإن لم تفعل فقل في نفس واحد لا إله إلا اللّه فأكون لك مصالحا ، فلما أدى موسى الرسالة جمع فرعون جنوده وقال : أنا ربكم الأعلى فاهتزت السماوات والأرض واستغاثوا بربهم جل وعلا في إهلاكه فقال هو كالكلب ليس له إلا العصا يا موسى ألق عصاك فألقاها فأسلم السحرة وهرب فرعون إلى مخدعه فقال موسى : إن لم تخرج أمرتها بالدخول عليك فقال : أمهلني فقال : لم يؤذن لي ، فأوحى اللّه تعالى إليه أمهله فإني حليم لا أعجل بالعقوبة وصار يتغوط كل يوم أربعين مرة وكان قبل ذلك في كل أربعين يوما مرة واحدة فلما أمهله إلى يوم الزينة وسيأتي بيانه في فضل الأدب في باب الموت طغى وتمرد فأخذه اللّه نكال الآخرة والأولى أي عذبه بالغرق على الكلمة الأولى وهي ما تقدم ، وعذبه بجهنم على الأخرى وهي قوله : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الأولى هذه والأخرى ما تقدم وكان بينهما أربعون سنة . ورأيت في زمرة العلوم وزهرة النجوم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « قال لي جبريل : « إني وقفت بين يدي اللّه حين قال فرعون : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] فنشرت جناحين للعذاب . فقال اللّه تعالى : مه يا جبريل إنما يستعجل العذاب من يخاف الفوت » . وذكر في هذا الكتاب أيضا أن فرعون لما قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] أراد جبريل أن يخسف به الأرض فاستأذن ربه تعالى فلم يأذن له وأمره أن يتجاوز عنه . قال العلائي في تفسير سورة القصص : دخل إبليس على فرعون وهو في الحمام فقال : يا فرعون سولت لك كل شيء فما قلت لك ادع الربوبية وضربه أربعين سوطا وتركه مغضبا عنه فقال له فرعون : أأترك هذه يا إبليس ؟ قال : لا يصح لك تركها بعد ارتكابها . ( حكاية ) : اجتمع قوم من كفار قريش منهم فرعون هذه الأمة وهو أبو جهل عند أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وقال : لقد علمت ما بيننا وبين ابن أخيك فخذ حقنا منه وحقه منا قبل موتك فدعاه أبو طالب وقال : يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك فكف عنهم ويكفون عنك فقال صلى اللّه عليه وسلم : « يطيعوني في كلمة واحدة » فقال : أبو جهل لعنه اللّه : نطيعك في عشر كلمات فقال : « قولوا : لا إله إلا اللّه » فقالوا : تريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا إن أمرك لعجيب وتفرقوا فقال أبو طالب : يا محمد ما سألتهم شططا أي ما سألتهم شيئا عسيرا . وأما قوله تعالى : فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ [ ص : 22 ] أي لا تجر في حكمك . يقال شط الرجل شططا إذا جار في حكمه فطمع النبي صلى اللّه عليه وسلم في إسلام عمه فقال : « قلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة » فقال : لولا أن تظن الناس أي قريش أني قلتها جزعا لقلتها ، وسيأتي على هذا زيادة في معجزاته صلى اللّه عليه وسلم . وقال الرازي في تفسير سورة الأنعام : قال أبو طالب قل غير هذه الكلمة فإن قومك يكرهونها