عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
236
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
باب فضل الجوع وآفات الشبع قال اللّه تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [ الأعراف : 31 ] ( مسألة ) التبسط في المآكل والملابس جائز إلا للمكاتب فلا يحل له ذلك . قال أبو محمد الجويني رضي اللّه عنه : والمكاتب هو عبد مكلف قال له سيده المكلف كاتبتك على ألف مثلا مقسط خمسة أقساط مثلا في كل شهر قسطان إذا أديته فأنت حر ويقول العبد قبلت ، ولا بد أن يكون العبد والسيد رشيدين ، ويجب على السيد أن يحط عن العبد جزءا من المال ولو درهما واحدا واللّه أعلم . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل اللّه » وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه : دخلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم فوجدته يصلي جالسا فسألته عن ذلك فقال « من الجوع » فبكيت فقال : « لا تبك فإن شدة القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسبه » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أفضلكم منزلة عند اللّه أطولكم جوعا وتفكرا ، وأبغضكم إلى اللّه كل نوام أكول شروب » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الأكل في اليوم مرتين من الإسراف واللّه لا يحب المسرفين » رواه البيهقي . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ويشربون ألوان الأشربة ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام أولئك شرار أمتي » رواه الطبراني . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة » رواه ابن ماجة . وذكر الغزالي رضي اللّه عنه في الإحياء أن الأكل على الشبع يورث البرص . ورأيت في زاد المسافر وهو كتاب حسن في الطب أن التخمة من كثرة الأكل وذلك من أعظم المضرات للبدن فإن تغير الأكل إلى البلغم كان الجشاء حامضا أو إلى الحرارة كان الجشاء دخانيا وهذا التغير له أسباب كثيرة : الأول كثرة الأكل بحيث تعجز عنه نار المعدة فإن النار اليسيرة تنطفئ بكثرة الحطب . الثاني : بحسب طبع الإنسان فإنه قد يأكل شيئا لا تقبله المعدة . الثالث : بحسب قوة الأعضاء فإن تصدع الرأس أو ثقل علمنا بذلك ضعف الرأس وحده ، وإن حصل حمى أو اقشعر بدنه أو تثاءب كثيرا علمنا ضعف جميع البدن فيجب عليه القيء فإن شق عليه فليشرب ماء حارا فإنه يسهل القيء ، وسيأتي في باب الصدقة أن شرب اليسير من الماء الحار على الريق فيه منفعة عظيمة . ( فائدة ) قال كعب الأحبار : ومن خاف ضرر طعام فليقرأ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 18 ] الآية . وقال بعض الحكماء : من خاف ضرر طعام وأراد سرعة انهضامه فليأخذ شيئا من علك البطم وشيئا من المصطكي ثم يوضع على النار ثم يذر عليه شيئا من الفلفل والقرفة ويسفه . ورأيت في تحفة الحبيب فيما زاد على الترغيب أن رجلا قال : يا رسول اللّه إني رجل مسقام لا يستقيم بدني على طعام ولا شراب فادع اللّه لي بالصحة فقال : « إذا أكلت أو شربت فقل بسم اللّه الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء يا حي يا قيوم لم يصبك منه داء ولو كان فيه سم » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « نوروا قلوبكم بالجوع وخشن الثياب » ورأيت في كتاب مفيد العلوم ومبيد الهموم للقزويني أن فرعون كان يخلط السم في طعام موسى عليه