عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
105
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
إلى السماء فيكون المعنى : إن توفيتهم على الكفر وعذبتهم فهم عبادك وأنت الحاكم عليهم وإن أخرجتهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان فغفرت لهم فلك ذلك ، ثم نقل عن والده أن العزيز الحكيم هنا أبلغ من الغفور الرحيم لأن صفة المغفرة والرحمة تشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة لكل محتاج والعزة والحكمة لا يوجبان ذلك بل يوجب كونه عزيزا أن يفعل ما يشاء وأن يكون متعاليا عن جميع جهات الاستحقاق ، فإذا حكم بالمغفرة كان الكرم هنا أتم من الوصف بالمغفرة والرحمة . ورأيت في تفسير القشيري : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] أي المعز لهم بالمغفرة ، ويقال : إنك أنت العزيز الذي لا يضرك كفرهم ، ويقال : العزيز القادر على الانتقام والعفو عند المقدرة صفة الكريم . ورأيت في الوجوه المسفرة عن اتساع المغفرة إنما قال : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] حياء من ربه أن يأتي بما فيه شفاعة لقوم عبدوا غير اللّه . قال الرازي : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] أي تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك . وقيل : تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك واللّه أعلم . وقال إبراهيم عليه السلام : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) [ الشعراء : 80 ] ولم يقل وإذا أمرضتني أدبا مع ربه كذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم لما أحسن أدبه مع ربه حيث قال : إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] فقدم اسم اللّه على اسمه عصم اللّه أمته من الشرك إلى يوم القيامة ، بخلاف قوم موسى فإنهم ارتدوا عن دينهم إلى عبادة العجل لأنه قدم اسمه على اسم اللّه تعالى حيث قال : كلا إن معي ربي . وقال البوني : سمي نوح عليه السلام نوحا لأنه رأى كلبا ميتا فكرهه فأوحى اللّه إليه هذا خلقنا فاخلق أنت مثله فصار يبكي وينوح . ( وقال ) في العقائق : أنه رأى كلبا له أربع عيون فاستقبحه فقال : يا نوح أتعيب الصنعة فلو كان الأمر إلي لم أكن كلبا . وأما الصانع فهو الذي لا يلحقه عيب فصار يبكي وينوح . ( حكاية ) : رأى رجل خنفساء فقال : ما أراد اللّه بخلقها لا صورة حسنة ولا رائحة طيبة فابتلاه اللّه بقرحة عجز عنها الأطباء فحضر طبيب وقال : ائتوني بخنفساء فأحرقها وجعل رمادها على القرحة فبرأ بإذن اللّه تعالى فقال صاحب القرحة : أراد اللّه تعالى أن يعرفني أن أقبح الحيوانات أعز الأدوية عندي . ( فائدة ) : رأيت في حياة الحيوان للدميري أن الاكتحال بما في جوف الخنفساء ينفع من الرطوبة ويزيل الغشاوة عن العين وإذا وضعت على لسعة العقرب أبرأتها واللّه أعلم . ( عجيبة ) : قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى : رأيت الخنفساء تطرد العقرب وهي هاربة منها . ثم رأيت بعد ذلك في نزهة النفوس والأفكار أن بينها وبين العقرب صداقة وأهل المدينة المشرفة يسمونها جارية العقرب ومن به فالج أو حمى عتيقة ولسعته عقرب زال عنه ذلك ، ورماد العقرب الأسود إذا وضع على البرص معجونا بالخل زال بإذن اللّه تعالى ، وإذا علقت الخنافس على أشجار قرية لم يقربها الجراد ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا دعا على الجراد يقول : « اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وافسد بيضه وخذ بأفواهه عن معايشنا وارزقنا إنك سميع الدعاء » . رواه ابن ماجة .