سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
19
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
والحيوانات اشرف تركيبا من النباتات ، والانسان اشرف تركيبا من سائر الحيوان والنارية عليه أغلب ، وقد اجتمع في تركيب الانسان من جميع معاني الموجودات من البسائط والمركبات ما لا يجتمع في غيره ، لان الانسان مركب من جسد غليظ جسماني ومن نفس بسيطة جوهرية روحانية ، فينبغي لك ان كنت عازما على معرفة حقائق الموجودات ان تبتدىء أولا بمعرفة نفسك ، إذ هي أقرب الأشياء إليك ، ثم بعد ذلك معرفة سائر الأشياء ، ولما خلق اللّه الانسان وجعله أكرم الحيوان ، امره ونهاه ، وعاقبه وجازاه ، وجعل جسمه مدينة ، وعقله ملكها ، واسكنه اشرف موضع فيه وأعلاه ، وهو الرأس ، واسكن النفس في جميع اجزاء الجسم في ظاهره وباطنه ، فهي تخدمه وتحركه وتدبر العقل ، فإذا عرض للجسم شئ فسد الجسد والعقل ، وإذا عرض للعقل شيء وسلمت النفس بقي الجسم سليما إلا أن يشاء اللّه ويفسد الكل عند نفاد العمر المقدر وجعل له وزراء خمسة يدبرونه ويوصلون اليه جميع ما يحتاج اليه ولا قوام له إلا بهم ، وجعل لكل واحد منهم عقلا ينفرد به عن صاحبه ، ومعنى خصه به لا يشاركه فيه غيره ، وأقام لاجتماع آرائهم عنده تمام أحواله وقوام أفعاله ، فالوزراء الخمسة هي الحواس الخمسة التي هي العين والاذن والانف واللسان واليد ، فحاسة العين المبصرات وهي عشرة أنواع : النور والظلمة واللون والجسم ، والشكل والوضع والبعد والقرب والحركة والسكون وحاسة الآذان السمع للأصوات ، وهو نوعان حيوانية وغير حيوانية ، فالحيوانية نوعان منطقية ككلام الانسان المفهوم ، وغير منطقية كصهيل الفرس ونهيق الحمار ، وتغريد الطير وما أشبه ذلك ، وغير الحيوانية كصرير الخشب وقرع الحجارة وغير ذلك مما لا حياة له كالرعد والطبل والزمر ، وحاسة الانف الشم وهو نوعان : الطيب والمنتن ، وحاسة اليد قوة الملامسة ومجراها في الحرارة والبرودة ، والخشونة والملاسة ، وهي قوة منبسطة بين الجلدين اللذين أحدهما ظاهر البدن ، والآخر مما يلي البدن وحاسة اللسان المنطق من مليح وضده فإذا حصل كل واحد من هذه الحواس ما اخدمه اللّه لهذا الملك انبعث