سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
312
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
قيل : احضر المتوكل العباسي مجنونين ليمزح معهما ، فتكلم أحدهما كلاما أغضبه فامر بضرب عنقه ، فالتفت المجنون إلى صاحبه ، وقال له : أما تنظر يا أخي كنا مجنونين فصرنا ثلاثة ! فضحك وأطلقه . قيل : انه لما بلغ إسحاق بن إبراهيم ما في أبي العبر الشاعر من الحماقة والمجانة والخلاعة امر بحبسه فكتب اليه رقعة وهو في السجن يذكر انه تائب مما كان يفعل ، ويسأله ان يخرجه من الحبس حتى يعلمه برقية للعقرب ليس في الدنيا مثلها لصحتها ، وكان إسحاق يخاف كثيرا من ذكر العقرب فضلا من لدغتها ، فأمر باطلاقه واحضره وقال له : هات اعلمنا برقيتك ، فقال له : أعلمك أيها الأمير على شرط انك تحلف لي على أن لا تتعرض لي بعدها أبدا ، فحلف ان لا يتعرض له ، فقال : أيها الأمير إذا رأيت العقرب فتناول النعل واضربها به ضربة شديدة فإنها تموت ولا تعود تتحرك ، وإذا ماتت لا تضر ، ولا تلسع ابدا ، ولو قبضت عليها بيديك فقال إسحاق : خلو عنه فإنه لا يفلح ابدا . وكان يزيد كل سنة حرفا في اسمه حتى صار أبو العبر طربك ذريك زرنك لؤلؤ حمق مق . وقيل : انه كان آدب أهل زمانه إلا أنه لما رأى الحماقة والجهل انفق عند أهل عصره اخذ فيه وترك العقل ، فصار في الرقاعة والسخافة رأسا ، وما أصدق قول أبي العلا المعرى في هذا المعنى من لاميته المشهورة : ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا * تجاهلت حتى ظن اني جاهل وأنا أقول : ان من الواجب على كل عاقل في زماننا هذا ان يصير مثل أبى العبر فان زماننا وأهله عبرة لمن اعتبر ، وللّه در القائل : زمان كل حب فيه خب * وطعم الخل خل لو يذاق له سوق بضاعته نفاق * فنافق فالنقاق له نفاق وقال بعضهم : اشتقت إلى أبى العبر يوما فسرت اليه فإذا هو جالس في تغار