أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

70

نثر الدر في المحاضرات

سحاحا ، فأكلت اللحم وشربت اللبن ، وائتدمت بالسّمن ، ولبست الصّوف ، وتركتها عظاما ، ما تقعقع » . قيل : طاف الرشيد بالبيت فوطئ جرادة ، فلم يدر ما عليه فيها ، فبعث المأمون إلى الفضيل بن عياض ، فسلّم عليه وقال : أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول : لنا إليك حاجة فأحبّ أن تصير إلينا ، فلم يجب الفضيل بشيء ، فرجع المأمون وقال : رأيت رجلا ليست به إليك حاجة ، فقام الرشيد مغضبا حتى تخوّفنا على الفضيل منه ، قال : فوقف عليه وسلّم ، فوسّع الفضيل ، أو رد السلام عليه ، فلما جلس أقبل على الفضيل فقال : رحمك اللّه ، قد كان الواجب أن تأتينا ، وتعرف حقّنا ؛ إذ ولّانا اللّه أموركم ، وصيرنا الحكّام في دمائكم ، والذابّين عن حريمكم ، وإذا لم تأتنا فقد أتيناك ، إني وطئت الآن في الطواف على جندبة فما ديتها ؟ قال : فبكى الفضيل بكاء شديدا حتى علا صوته ، وقال : إذا كان الراعي يسأل الغنم هلكت الغنم ، وإنما يجب على الراعي أن يرتاد لغنمه الرعي وجيّد الكلأ وعذب الماء ، فإذا كنت يا أمير المؤمنين غافلا عن معالم الدّين فبأيّ شيء تسوس رعيتك ؟ قال : فخجل الرشيد حتى عرق وانصرف . اختلفوا بحضرة الزّهريّ « 1 » في معنى قول القائل : فلان زاهد ، فقال الزّهريّ الذي لا يغلب الحرام صبره ولا الحلال شكره . قال عمر بن ذرّ : الحمد للّه الذي جعلنا من أمة تغفر لهم السيئات ولا تقبل من غيرهم الحسنات . قال يونس بن عبيد « 2 » : سمعت ثلاث كلمات لم أسمع بأعجب منهنّ قول حسان بن أبي سنان : ما شيء أهون من ورع ، إذا رابك شيء فدعه . وقول ابن

--> ( 1 ) الزهري : هو محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهاب ، أبو بكر الزهري ، أول من دوّن الحديث ، وأحد الفقهاء والأعلام التابعين بالمدينة ، توفي سنة 124 ه ، صنّف « كتاب المغازي » ( انظر ترجمته في : كشف الظنون 6 / 7 ، تهذيب التهذيب 9 / 445 ، غاية النهاية 2 / 262 ، تذكرة الحفاظ 1 / 102 ، وفيات الأعيان 1 / 571 ) . ( 2 ) هو يونس بن عبيد بن دينار العبدي البصري ، أبو عبد اللّه ، من حفاظ الحديث الثقات ، من أصحاب الحسن البصري ، توفي سنة 139 ه ( الأعلام 8 / 262 ) .