أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
55
نثر الدر في المحاضرات
بلدي . قال : بل أجمعهنّ لك وحيّا . ووقفت أعرابية على قوم فقالت : بعدت مشقّتي ، وظهرت محارمي ، وبلغت حاجتي إلى الرّمق ، واللّه سائلكم عن مقامي . وسألت أخرى فقالت : سألتكم ، فسؤلكم القليل الذي يوجب لكم والكثير ، رحم اللّه واحدا أعان محقا . ووقفت أخرى فقالت : يا قوم ، تغير بنا الدهر إذ قل منّا الشكر ولزمنا الفقر ، فرحم اللّه من فهم بالعقل ، وأعطى من فضل ، وآثر من كفاف ، وأعان على عفاف . كان بعضهم يقول : اللهم قني عثرات الكرام . وكان بعض السلف يقول : اللّهم أحملنا من الرّجلة « 1 » وأغننا من العيلة . وسأل أعرابي فقيل له : بورك فيك ونوالي عليه ذلك من غير مكان فقال : وكّلكم اللّه إلى دعوة لا تحضرها نية . وقال بعضهم : اللهم أعني على الموت وكربته ، وعلى القبر وغمّته ، وعلى الميزان وحقّته ، وعلى الصّراط وذلّته ، وعلى يوم القيامة وروعته . وقال آخر : اللّهمّ أغنني بالافتقار إليك ، ولا تفقرني بالاستغناء عنك . وقال آخر : اللّهمّ أعنّي على الدّنيا بالقناعة ، وعلى الدّين بالعصمة . وقال آخر : اللهم أمتعنا بخيارنا ، وأعنّا على أشرارنا ، واجعل المال في سمحائنا . ولما ولي مسروق « 2 » السلسلة انبرى له شاب فقال له : وقاك اللّه خشية الفقر ، وطول الأمل ، ولا جعلك ذرية للسفهاء ، ولا شينا للفقهاء .
--> ( 1 ) الرّجلة ، بضم الراء : السفر على الرجلين . ( 2 ) مسروق : هو مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية ، أبو عائشة الهمداني ، تابعي ، توفي سنة 63 ه ، ( انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 10 / 109 ، الإصابة 3 / 492 ، غاية النهاية 2 / 294 ) .