أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
344
نثر الدر في المحاضرات
قال : بلى ، ولكنه أكل من شعير الأمير فتبخّت . اشترى رجل من الأعراب شاة على أنها تحلب قفيزا فإذا هي تحلب أقل من ذلك ، فقال لأصحابه : تشهدون بي على شاتي هذه أنها تسرق السّمع ، فإني بها أبا عطاء فقال : أصلحك اللّه ، إن هذا باعني شاة على أنها تحلب قفيزا ، وامرأته طالق إن لم يكن عوج عندها في الأكل جائع وهذه ، وهؤلاء الأربعة يشهدون على ما قلت ، فالتفت إليهم فقال : أتشهدون على شهادة محدودة ؟ قال أولهم : أشهد أني رأيت هذه الشاة وثبت على شيء طوله أربعون ذراعا فأكلته حتى بلغت طرفه فقال للثاني : بم تشهد ؟ قال : أشهد أني رأيت هذه الشاة وثبت على قدر لرجل من الجيران يطبخ فيها لحم ، فأكلت اللحم وحسيت المرق وكسرت القدر ، وضربت عظما برجلها . فشجب القاضي وهو له به ، ثم قال للثالث : بم تشهد قال : أشهد أني رأيت هذه الشاة وثبت على جماعة تبول ، فأكلت بعضها صحاحا ، وبعضها مقطّعا . فقال أبو عطاء للرابع : لا تشهد بشيء ، فإني أخشى أن يشهد أنها أهلكت رجلا فاخذك بالدّية . وكان ورد على كافي الكفاة أبو الفضل ابن العميد ، وقبله شيخ حسن الهيئة والشيبة والشارب والبزّة ، يرجع إلى فضل كثير ، ويفتق في العلوم ، ويقول شعرا جيّدا وكان مشغوفا بالكذب وكانت له أوابد ، وعجاب ، يحدّث بها عن نفسه ولا يتحاشى من كبير ولا صغير . مما حكى أنه قال : إنّي سلكت طريقا بالروم في شدّة البرد ، فلما ارتفع النهار سمعنا في الهواء أصواتا مختلفة ، وكلاما عاليا ، ولم نر أحدا ، فإذا قوم كانوا سلكوا طريقا فقطعوا الطريق قبلنا في الليل ، وجمدت أصواتهم من شدّة البرد في الجوّ ، فلما حمي النهار وطلعت الشمس على الأصوات الجامدة ، ذابت ، فكنّا نسمعها ، وواحد يقول : « اشدد الرّحل » ، وآخر يقول : « اسرج الدّابة » ، وما يجانس ذلك من كلام حفظ عنهم . وذكر أنه وجد في هذا الطريق جبلا أسود ، فشدّ به رحله ، فلمّا طلعت عليه الشّمس ، تقطّع وطار وسقط رحله على الطريق ، وأن ذلك كان من اجتماع خطاطيف كثيرة أصابها البرد ، فأدخل كل واحد رأسه في است الآخر ، وصارت على هيئة الجبل ، فلما مسّها حر الشمس ، طارت !