أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
14
نثر الدر في المحاضرات
وطاح ما سوى ذلك من الأهلين والمال . وذم أعرابي قوما فقال : بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق ، وشبارق فصح الألسنة ، بردّ السائل ، جذم الأكفّ عن النائل . قال الأصمعي : حججت فبينا أنا بالأبطح إذا شيخ في سحق « 1 » عباء ، صعل الرأس « 2 » ، أثطّ « 3 » أخرز أزرق ، كأنما ينظر من فصّ زجاج أخضر ، فسلّمت فردّ عليّ التحية ، فقلت : ممّن الشيخ ؟ قال : من بني حمزة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة . قلت : فما الاسم ؟ قال : خميصة بن قارب . ثم أعرابي أنت ؟ قلت : نعم ، قال : من أية ؟ قلت : من أهل بصرة قال : فإلى من تعتزي ؟ قلت قيس بن غيلان ، قال : لأيهم ؟ قلت : أحد بني يعصر ، وأنا أقلّب ألواحا معي . قال : ما هذه الخشبات المقرونات قلت : اكتب فيهم ما أسمع من كلامكم . قال : وإنكم مختلّون إلى ذلك . قلت : نعم ، وأي خلّه . ثم صمت مليا ثم قال في وصف قومه : كانوا كالصخرة الصلادة تنبو عن صفحاتها المعاول ثم زحمها الدهر بمنكبه فصدعها صدع الزجاجة ما لها من جابر ، فأصبحوا شذر مذر ، أيادي سبأ ، وربّ يوم ، واللّه عارم قد أحسنوا تأديبه ، ودهر غاشم قد قوّموا صعره ، ومال صامت قد شتّتوا تألّفه ، وخطة بؤس قد حسمها إحسانهم ، وحرب عبوس ضاحكتها ألسنتهم ، أما واللّه يا أخا قيس ، لقد كانت كهولهم جحاجح « 4 » وشبابهم مراجح « 5 » ، ونائلهم مسفوح ، وسائلهم ممنوح ، وجنانهم ربيع ، وجازهم منيع . فنهضت لأنصرف فأصرّ بمجامع ذيلي وقال : أجلس فقد أخبرتك عن قومي حتى أخبرك عن قومك فقلت في نفسي : إن اللّه يشيّد في قيس واللّه وصمة تبقى على الدهر . فقلت : حسبي ، لا حاجة لي إلى ذكرك قومي قال : بلى ، هم واللّه هضبة ململمة العزّ أركانها والمجد أحضانها ، تمكّنت في الحسب العدّ ، تمكّن الأصابع في اليد ، فقمت مسرعا مخافة أن يفسد عليّ ما سمعت .
--> ( 1 ) السحق : الثوب البالي . ( 2 ) صعل الرأس : الرقيق الرأس . ( 3 ) الأثطّ : القليل شعر اللحية والحاجبين . ( 4 ) الجحاجح : جمع جحجاح ، وهو السيد الكريم . ( 5 ) المراجح : جمع مرجح ، وهو الحكيم الراجح العقل .