أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
12
نثر الدر في المحاضرات
وقال الآخر لأخيه ورأى حرصه على الطلب : يا أخي ، أنت طالب ومطلوب ، يطلبك من لا تفوته ، وتطلب ما قد كفيته ، فكأنّ ما غاب عنك قد كشف لك ، وما أنت فيه قد نقلت عنه . يا أخي : كأنك لم تر حريصا محروما ، ولا زاهدا مرزوقا . ذمّ أعرابي رجلا ، فقال : أنت واللّه ممّن إذا سأل ألحف « 1 » وإذا سئل سوّف « 2 » ، وإذا حدّث خلف ، وإذا وعد أخلف ؛ تنظر نظرة حسود ، وتعرض إعراض حقود . قال بعضهم : مضى سلف لنا اعتقدوا مننا ، واتّخذوا الأيادي عند إخوانهم ذخيرة لمن بعدهم ، وكانوا يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا وإظهار البر والإكرام عندهم حقّا واجبا ، ثم حال الزمان عن نشء آخر حدثوا ، اتخذوا منهم صناعة ، وأياديهم تجارة ، وبرّهم مرابحة ، واصطناع المعروف بينهم مقارضة ، كنقد السوق ، خذ منّي وهات . افتتح بعضهم خطبة فقال : بحمد اللّه كبرت النّعم السوابغ ، والحجج البوالغ ، بادروا بالعمل ، بوادر الأجل ، وكونوا من اللّه على وجل ، فقد حذّر وأنذر ، وأمهل حتى كأن قد أهمل . وفد هانئ بن قبيصة على يزيد بن معاوية ، فاحتجب عنه أياما ثم إن يزيد ركب يوما يتصيّد ، فتلقّاه هانئ فقال : إن الخليفة ليس بالمحتجب المتخلّي ، ولا بالمتطرّف المتنحّي ، ولا الذي ينزل على العدوات والفلوات ، ويخلو باللذات والشهوات ، وقد وليت أمرنا ، فأقم بين أظهرنا ، وسهّل إذننا واعمل بكتاب اللّه فينا ، فإن كنت عجزت عمّا هاهنا ، واخترت عليه غيره ، فازدد علينا بيعتنا ، نبايع من يعمل بذلك فينا ونقمه ، ثم عليك بخلواتك ، وصيدك وكلابك ، قال : فغضب يزيد وقال : واللّه لولا أن أسنّ بالشام سنّة العراق لأقمت أودك . ثم انصرف وما هاجه بشيء وإذن له ولم تتغيّر منزلته عنده ، وترك كثيرا مما كان عليه . كان العياشي يقول : الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس ومن
--> ( 1 ) ألحف : ألحّ . ( 2 ) سوّف : ماطل .