أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

37

نثر الدر في المحاضرات

وقال : ما جلست قط مجلسا . فخفت أن أقام عنه لغيري . وكان يقول : إياك وصدر المجلس فإنه مجلس قلعة . وقال : خير الإخوان من إذا استغنيت عنه لم يزدك في المودة ، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها . وإن كوثرت عضّدك ، وإن احتجت إلى معونته رفدك . وقال : العتاب مفتاح التّقالي ، والعتاب خير من الحقد . ومر بعكراش بن ذؤيب - وكان ممن شهد الجمل مع عائشة - فقطعت يداه جميعا . فصاح به عكراش : يا مخذّل . فقال الأحنف : إنك لو كنت أطعتني لأكلت بيمينك وامتسحت بشمالك . ويقال : إنه لم ير قطّ ضجرا إلا مرة واحدة ، فإنه أعطى خياطا قميصا يخيطه ، فحبسه حوالين . فأخذ الأحنف بيد ابنه بحر ، فأتى به الخياط ، وقال : إذا متّ فادفع القميص إلى هذا . وكان يقول : لا صديق لملول ، ولا وفاء لكذوب ، ولا راحة لحسود ، ولا مروءة لبخيل ، ولا سؤدد لسيّئ الخلق . وقال : كاد العلماء يكونون أربابا ، وكل عزّ لم يوطّد بعلم فإلى ذلّ ما يصير . قال رجل للأحنف : « تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه » . قال : وما ذممت منّي يا أخي ؟ قال : الدمامة ، وقصر القامة . قال : لقد عبت ما لم أؤامر فيه وأسمعه رجل ، فأكثر . فلما سكت ، قال الأحنف : يا هذا ، ما ستر اللّه أكثر . وقال : كثرة الضحك تذهب الهيبة ، وكثرة المزح ، تذهب المروءة ، ومن لزم شيئا عرف به . لما نصّب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد أقعده قبة حمراء ، فجعل الناس يسلّمون على معاوية ، ثم يميلون إلى يزيد حتّى جاءه رجل ففعل ذلك . ثم رجع إلى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين ، اعلم أنك لو لم تولّ هذا أمور المسلمين لأضعتها - والأحنف جالس - فقال له معاوية : ما بالك لا تقول يا أبا بحر ! ! فقال :