أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

32

نثر الدر في المحاضرات

قال الشعبيّ « 1 » : سمعت الحجاج يقول : أما بعد ، فإن اللّه جل وعلا كتب على الدنياء الفناء ، وعلى الآخرة البقاء ، فلا فناء لما كتب عليه البقاء ، ولا بقاء لمن كتب عليه الفناء ، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة ، واقهروا طول الأمل يقصر الأجل . وقال ابن عياش عن أبيه ، قال : إن أوّل يوم عرف فيه الحجاج - وكان في الشّرط مع عبد الملك - أن عبد الملك بعث إلى زفر بن الحارث عشرة نفر ، أنا فيهم ، ومعنا الحجاج وغيره من الشّرط . قال : فكلمناه ، وأبلغناه رسالة عبد الملك ، فقال : لا سبيل إلى ما تريدون . قال : فقلت له : يا هذا ، أراه واللّه سيأتيك ما لا قبل لك به . ثم لا يغني عنك فسّاقك هؤلاء شيئا ، فأطعني واخرج . قال : وحضرت الصلاة فقال : نصلّي ، ثم نتكلم . فأقام الصلاة ونحن في بيته ، فتقدم وصلّى بنا وتأخّر الحجاج ، فلم يصلّ . فقلت له : أبا محمد . ما منعك من الصلاة ! ؟ قال : أنا لا أصلّي خلف مخالف للجماعة ، مشاقّ للخلافة . لا ، واللّه لا يكون ذلك أبدا . قال : فبلغت عبد الملك . فقال : إن شرطيكم هذا لجلد . وخطب يوما فقال : يا أيها الناس ؛ إن الصّبر عن محارم اللّه أيسر من الصبر على عذاب اللّه . فقام إليه رجل فقال : ما أصفق وجهك ، وأقل حياءك أيها الحجاج ؟ فقال له الحجاج : اجترأت علي . فقال له : أتجترئ على اللّه ولا ننكره . وأجترئ عليك فتنكره فحلم عنه ، وخلّى سبيله . قال عبد الملك بن عمير : سمعت الحجاج يقول في خطبته : أيها الناس لا يملّنّ أحدكم من المعروف ، فإن صاحبه يعرض خيرا ، إما شكر في الدنيا وإما ثواب في الآخرة . وقال الحجاج لعبد الملك : ما فيّ عيب إلا أنّي حسود ، حقود ، لجوج . فقال : ما في الشّيطان شيء ، شرّ ممّا ذكرت .

--> ( 1 ) الشعبي : هو عامر بن شراحيل بن عبد اللّه الشعبي الحميري ، أبو عمرو الكوفي ، تابعي من رجال الحديث ، وكان فقيها شاعرا ، توفي سنة 103 ه ( انظر ترجمته في : كشف الظنون 5 / 435 ، تهذيب التهذيب 5 / 65 ، وفيات الأعيان 1 / 306 ، تاريخ بغداد 12 / 227 ) .