أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

30

نثر الدر في المحاضرات

وكان يقول : البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد . ولما أتى الحجاج البصرة ، وندب الناس إلى محاربة الخوارج ، واللّحاق بالمهلب ، كان عليهم أشد إلحافا ، وقد كان أتاهم خبره بالكوفة ، فتحمّل الناس قبل قدومه . فيروى عن بعضهم أنه قال : إنا لنتغدّى معه إذ جاءه رجل من بني سليم برجل يقوده ، فقال : أصلح اللّه الأمير . إن هذا عاص . فقال له الرجل : أنشدك اللّه أيها الأمير في دمي ، فو اللّه ما قبضت ديوانا قطّ ، ولا شهدت عسكرا ، وإني لحائك أخذت من تحت ألحف . فقال : اضربوا عنقه . فلما أحس بالسيف سجد ، فلحقه السيف - وهو ساجد - فأمسكنا - عن الأكل فأقبل علينا الحجاج ، فقال : ما لي أراكم صفرت أيديكم واصفرّت وجوهكم ، وحدّ نظركم من قتل رجل واحد ؟ إن العاصي يجمع خلالا تخلّ بمركزه ، ويعصي أميره ، ويغرّ المسلمين ، وهو أجير لكم ، وإنما يأخذ الأجرة لما يعمل ، والوالي مخيّر فيه إن شاء قتله وإن شاء عفا . ثم كتب الحجاج إلى المهلب . أما بعد ، فإن بشرا رحمه اللّه استكره نفسه عليك ، وأراك غناءه عنك . وأنا أريك حاجتي إليك فأرني الجد في قتال عدوّك . ومن خفته على المعصية ممن قبلك فاقتله ؛ فإنّي قاتل من قبلي ومن كان عندي من وليّ من هرب عنك فأعلمني مكانه ؛ فإني أرى أن آخذ السّميّ بالسمي ، والولي بالوليّ . فكتب إليه المهلّب ليس قبلي إلا مطيع وإنّ الناس إذا خافوا العقوبة كبّروا الذّنب ، وإذا أمنوا العقوبة صغّروا الذّنب ، وإذا يئسوا من العفو أكفرهم ذاك . فهب لي هؤلاء الذين سمّيتهم عصاة فإنّهم فريقان : أبطال أرجو أن يقتل اللّه - عز وجل - بهم العدوّ . ونادم على ذنبه . وصعد المنبر بعد موت أخيه أو ابنه . فقال : يقولون : مات ويموت الحجاج . فمذ كان ما ذا ؟ واللّه ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت . واللّه ما رضي اللّه