أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

126

نثر الدر في المحاضرات

وكانت خيرة ربّما غابت فيبكي الحسن فتعطيه أمّ سلمة ثديها تعلّله به ، إلى أن تجيء أمّه فدرّ عليه ثديها . فيرون أنّ تلك الحكمة والفصاحة ، من بركة ذلك . ونشأ الحسن بوادي القرى . وشكا إليه رجل ضيق المعاش ، فقال : ويحك ! أهاهنا ضيق أو سعة إنّما الضيق والسّعة أمامك . وقال : لولا قصر همم الناس ما قامت الدنيا . وقال : يا بن آدم : إنّما أنت عدد أيّامك إذا مضى يوم مضى بعضك وتذاكروا عنده أمر الصّحابة . قال الحسن : رحمهم اللّه ؛ شهدوا وغبنا وعلموا وجهلنا ، وحفظوا ونسينا . فما أجمعوا عليه اتّبعناه . وما اختلفوا فيه وقفناه . وقال : حقّ الوالد أعظم وبرّ الوالدة ألزم . وقال : عاشر أهلك بأحسن أخلاقك ؛ فإنّ الثّواء فيهم قليل . وقال : السّؤال نصف العلم ، ومداراة النّاس نصف العقل ، والقصد في المعيشة نصف المعيشة ، وما عال مقتصد . وقال : خف اللّه خوفا ترى أنّك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يقبلها منك وارج اللّه رجاء ترى أنّك إن أتيته بسيّئات أهل الأرض غفرها لك . وقال : ما استودع اللّه رجلا عقلا إلّا استنقذه به يوما ما . وقال : المؤمن لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب . ودخل إليه أمرد حسن الوجه ، فالتفت إلى أصحابه ، فقال : لقد ذكّرني هذا الفتى الحور العين . وولد له غلام فقال له بعض جلسائه : بارك اللّه لك في هبته ، وزادك في نعمته . فقال الحسن : الحمد للّه على كلّ حسنة ، ونسأله الزيادة من كلّ نعمة ، ولا مرحبا بمن إن كنت مقلّا أنصبني ، وإن كنت غنيّا أذهلني لا أرضى بسعيي له سعيا ، ولا بكدّي عليه في الحياة كدّا ، حتى أشفق عليه بعد وفاتي من الفاقة ، وأنا في حال لا يصل إليّ من همّة حزن ، ولا من فرحه سرور .