أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

11

نثر الدر في المحاضرات

وكان حارثة بن بدر الغداني « 1 » قد غلب على زياد - وكان الشراب قد غلب عليه - فقيل لزياد : إن هذا قد غلب عليك وهو مستهتر بالشراب فقال زياد : كيد باطّراح رجل هو يسايرني ؟ قد دخلت عليه العراق ، فلم يصكّ ركابي ركاباه ، وما راكبني قط ، فمست ركبتي ركبته ، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه . ولا تأخّر عنّي فلويت عنقي إليه ، ولا أخذ عليّ الشمس في شتاء قط ، ولا الرّوح في صيف قط ، ولا سألته عن علم إلا ظننته لم يحسن غيره . فلما مات زياد جفاه عبيد اللّه ، فقال له حارثة : أيها الأمير . ما هذا الجفاء ، مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة ؟ فقال له عبيد اللّه : إن أبا المغيرة كان قد برع بروعا لا يلحقه معه عيب وأنا حدث ، وإنما أنسب إلى من تغلّب عليّ ، وأنت رجل تديم الشراب ، فمتى قرّبتك ، فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يظن بي . فدع النبيذ ، وكن أوّل داخل ، وآخر خارج . فقال له حارثة : أنا لا أدعه لمن يملك ضرّي ونفعي . أفأدعه للحال عندك ؟ قال : فاختر من عملي ما شئت . قال : تولّيني رامهرمز فإنّها أرض عذية وسرّق ، وإنّ بها شرابا وصف لي عنه ، فولاه إياه . وفيه قيل « 2 » : [ الطويل ] أحار ابن بدر قد وليت ولاية * فكن جرذا فيها تخون وتسرق وقال زياد : كفى بالبخيل عارا أن اسمه لم يقع في حمد قطّ ، وكفى بالجواد مجدا أن أسمه لم يقع في ذمّ قط . وكان عبيد اللّه بن زياد قد لج في طلب الخوارج ، وحبسهم ، وقتلهم فكلّم

--> ( 1 ) هو حارثة بن بدر بن الحصين التميمي الغداني ، من فرسان تميم ووجوهها وسادتها ، قيل إنه أدرك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، له أخبار في الفتوح ، وكان زياد مكرما له قابلا لرأيه ، مات غرقا سنة 64 ه ( الأعلام 2 / 158 ) . ( 2 ) يروى صدر البيت بلفظ : أحار ابن زيد قد وليت ولاية والبيت لأنس بن زنيم في ديوانه ص 114 ، ولسان العرب ( سرق ) ، والمقاصد النحوية 4 / 296 ، وله أو لأنس بن أبي أنيس في الدرر 3 / 54 ، ولأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص 177 ، والعقد الفريد 3 / 60 .