أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

108

نثر الدر في المحاضرات

فقال : لا ينتهون . فقال له : لعلك ترى فيهم ما يرى يحيى . وتقدم المأمون بين يديه مع رجل ادّعى عليه ثلاثين ألف دينار . فطرح للمأمون مصلّى يجلس عليه . فقال يحيى : لا تأخذ على خصمك شرف المجلس ، ولم تكن للرجل بيّنة ، فحلف المأمون ، فلما فرغ وثب يحيى ، فقام على رجليه ، فقال : ما أقامك ؟ فقال : إني كنت في حقّ اللّه حتّى أخذته منك ، وليس الآن من حقّك أن أتصدّر عليك . فأعطى الرجل المأمون ، ما ادّعاه ، وهو ثلاثون ألف دينار ، وقال : خذه إليك . إني - واللّه - ما كنت لأحلف على فجرة . ثم أسمح لك بالمال ، فأفسد ديني ودنياي . وو اللّه ما دفعت إليك هذا المال الساعة إلّا خوفا من هذه العامّة ؛ فعلها ترى أن تناولتك من هذه القدرة ، ومنعتك حقّك بالاستطالة عليك ، فأمّا الآن فإنك تعلم أنّي ما كنت لأسمح باليمين والمال . وأمر ليحيى بثلاثين ألف دينار . وتصدّق بثلاثين ألف دينار . وكان يحيى يقول : سياسة القضاء أمدّ من القضاء . كان أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز الكوفي قاضيا للمعتمد . ودخل إلى عبيد اللّه بن سليمان ، فسأله عن النّبيذ ، فقال : هو عند أصحابي كماء دجلة ، غير أنّه يودي . وجرى بينه وبين عبيد اللّه شيء ، فقام أبو خازم عن المجلس ، وأخذ قلنسوته عن رأسه بيده ، فقال عبيد اللّه : انظروا ما صنع أبو خازم ؛ أخذ قلنسوته بيده يعلمنا أنه ما يبالي إن عزلته . ومات في أيامه الضّبعيّ صاحب الطعام ، وله أطفال ، وعليه ديون وللمعتضد عليه أربعة آلاف دينار ، فقال المعتضد لعبيد اللّه بن سليمان : قل لعبد الحميد أن يدفع إلينا هذا المال من تركة الضّبعي ، فذكر له ذلك ، فقال أبو خازم : إن المعتضد كأسوة الغرماء في تركة الضبعي ، فقال له عبيد اللّه : أتدري ما تقول ؟ فقال أبو خازم : هو ما قلت لك . وكان المعتضد يلحّ على عبيد اللّه في اقتضاء المال : وعبيد اللّه يؤخّر ما قال