أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
104
نثر الدر في المحاضرات
قال : اقض عليّ ، وعلى والدي . قال : فاكفني حاشيتك . قال : قد فعلت . فكانت أوّل رقعة وردت عليه خالصة جارية المهديّ . فجاءت لتتقدّم الخصم ، فقال : وراءك مع خصمك مرارا ، فأبت . فقال : وراءك يا لخناء . قالت : يا شيخ ، أنت أحمق . قال : قد أخبرت مولاك ، فأبى عليّ . فجاءت إلى المهديّ تشكو إليه فقال لها : الزمي بيتك ، ولا تعرضي له . قال ابن أبي ليلي : ما لقينا من هنيّ ، كلما توجّهت لنا قضية نقضها علينا أبو حنيفة . وشهد أبو حنيفة عند شريك ، فلم يجز شهادته ، وقال : كيف أجيز شهادة قوم يزعمون أن الصّلاة ليست من الإيمان . وكان ابن شبرمة يقول : لأن استعمل خائنا بصيرا بعمله أحبّ إليّ من أن استعمل مضيّعا لا يبصر العمل . ودخل سوّار بن عبد اللّه على المنصور - والمصحف في حجره ، وعيناه تهملان - فقال : السلام عليكم . يا أمير المؤمنين . فقال : يا سوّار ، ألا مرة على المؤمنين ! هدمت ديني ، وذهبت بآخرتي ، وأفسدت ما كان من صالح عملي . قال سوّار : فانتهزتها فرصة ، وطلبت ثواب اللّه في عظته فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنك جدير بالبكاء ، حقيق بطول الحزن ما أقمت في الدنيا ، وقد استرعاك اللّه أمر المسلمين ، واستحفظك أموالهم ؛ يسألك عما عملت فيما استرعاك في اليوم الذي أعلمك في كتابه ، فقال : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ ( 6 ) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة : 6 - 8 ] ، فازداد بكاء ، وقال : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [ مريم : 23 ] . ثم قال يا سوّار إني أعالج نفسي ، وأعاتبها منذ وليت أمور المسلمين على حمل الدرّة على عنقي ، والمشي في الأسواق على قدمي ، وأن أسدّ بالجريش من الطعام جوعتي ، وأواري بأخشن الثّياب عورتي ، وأضع قدر من أراد الدنيا ، وأرفع قدر من أراد الآخرة ، وسعى لها ، فلم تطعني ، وعصتني ، ونفرت نفورا شديدا .