أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
48
نثر الدر في المحاضرات
كانت آمنة بنت سعيد بن العاص عند الوليد بن عبد الملك ، فلما مات عبد الملك سعت بها إحدى ضرّاتها إلى الوليد . وقالت : لم تبك على عبد الملك كما بكت نظائرها . فقال لها الوليد في ذلك . فقالت : صدق القائل لك أكنت قائلة : يا ليته بقي حتّى يقتل أخا لي آخر كعمرو بن سعيد . كانت ابنة هانئ بن قبيصة عند لقيط بن زرارة ، فقتل عنها وتزوّجها رجل من أهلها ، فكان لا يزال يراها تذكر لقيطا . فقال لها ذات مرّة : ما استحسنت من لقيط ؟ فقالت : كلّ أموره كانت حسنة . ولكنّي أحدّثك أنّه خرج مرّة إلى الصيد وقد انتشى ، فرجع إليّ وبقميصه نضح من دم صيده والمسك يضوع من أعطافه ، ورائحة الشراب من فيه . فضمني ضمّة وشمّني شمّة ، فليتني كنت متّ ثمّة . قال : ففعل زوجها مثل ذلك ثم ضمّها إليه وقال : أين أنا من لقيط ؟ فقالت : ماء ولا كصدّاء ، ومرعى ولا كالسعدان « 1 » . قالوا : كان ذو الإصبع العدواني غيورا ، وكان له بنات أربع لا يزوّجهنّ غيرة ؛ فاستمع عليهنّ مرّة وقد خلون يتحدّثن ، فذكرن الأزواج حتّى قالت ، الصّغرى منهنّ : زوج من عود خير من قعود ، فخطبن فزوّجهنّ . ثم أمهلهنّ حولا ، ثم زار الكبرى فقال لها : كيف رأيت زوجك ؟ قالت : خير زوج يكرم أهله ، وينسى فضله . قال : حظيت ورضيت . فما مالكم ؟ قالت : خير مال . قال : وما هو ؟ قالت : الإبل ، نأكل لحمانها مزعا ، ونشرب ألبانها جرعا ، وتحملنا وضعفتنا معا . فقال : زوج كريم ومال عميم . ثم زار الثانية فقال : كيف رأيت زوجك ؟ قالت : يكرم الحليلة ويقرّب الوسيلة ، قال : فما مالكم ؟ قالت : البقر . قال : وما هي ؟ قالت : تألف الفناء ، وتملأ الإناء ، وتودك السقاء ، ونساء مع نساء . قال : رضيت وحظيت . ثم زار الثالثة فقال : كيف رأيت زوجك ؟ فقالت : لا سمح بذر ، ولا بخيل حكر . قال : فما لكم ؟ قالت : المعزى . قال : وما هي ؟ قالت : لو كنّا نولدها
--> ( 1 ) مثل يضرب للشيء يفضل على أقرانه ( انظر : مجمع الأمثال 2 / 230 - 231 ، الكامل للمبرد 2 / 48 ، المستقصى 2 / 339 ) .