أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
26
نثر الدر في المحاضرات
قريش إن النّبيّ الأميّ المبعوث منكم قد أظلّتكم أيامه ، وهذا أوان نجومه ألا فحيّ هلا بالخصب والحيا ؛ ألا فانظروا منكم رجلا وسيطا عظاما جساما أبيض بضّا أوطف الأهداب ، أشمّ العرنين سهل الخدين ، له نجر يكظم عليه ، وسنّة تهدي . إليه . ألا فليدلف هو وولده ، وليدلف معه من كلّ بطن رجل ، فليشنّوا من الماء ، وليمسّوا من الطيب ثم ليستلموا الركن ، وليرقوا أبا قبيس ، وليدع الرجل ، وليؤمّن القوم على دعائه ، فغثتم « 1 » ما شئتم . قالت : فأصبحت - علم اللّه - مذعورة قد وله قلبي ، واقشعرّ جلدي لما رأيت في منامي فقصصت رؤياي ، ونمت في شعاب مكة ، فو الحرمة والحرم ، ما بقي أبطحي إلا قال : هذا شيبة الحمد ، هذا عبد المطلب . فتنامت إليه رجالات قريش ، وهبط إليه من كل بطن رجل ، فشنّوا ومسّوا واستلموا ، ثم ارتقوا أبا قبيس ، وطفقوا يزفون حواليه ؛ ما أن يبلغ سعيهم مهله ، حتى إذا استووا بذورة الجبل قام عبد المطلب ، ومعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، غلام قد أيفع أو كرب ، فرفع يده إلى السماء وقال : اللهم كاشف الكربة ، وسادّ الخلّة ، أنت عالم غير معلّم ، مسؤول غير مبخّل هذه عبادك وإماؤك بعذرات حرمك ، يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الظّلف والخفّ ، فاسمعنّ اللهم لنا ، وأمطرنّ غيثا مغدقا مريعا . فما راموا الكعبة حتى تفجرت السماء بمائها ، وكظم الوادي بثجيجه « 2 » فلسمعت شيخان قريش وجلّتها ؛ عبد اللّه بن جدعان ، وحرب بن أمية ، وهشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب : هنيئا لك أبا البطحاء هنيئا لك . هند بنت عتبة « 3 » وصف من خطب هندا ليعرف أبوها رأيها قالت هند بنت عتبة لأبيها : إني امرأة قد ملكت أمري ، فلا تزوجني رجلا
--> ( 1 ) غثتم : أتاكم الغيث . ( 2 ) الثجيج : السيل . ( 3 ) هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، امرأة أبي سفيان بن حرب ، وأم معاوية ، أسلمت يوم الفتح ، وعفا عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد تمثيلها بحمزة عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتوفيت في خلافة عمر بن الخطاب . ( انظر : كتاب الثقات 3 / 439 ، الطبقات الكبرى 8 / 287 ، الإصابة 8 / 205 ، أسد الغابة 7 / 293 ) .