أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

23

نثر الدر في المحاضرات

به . وهؤلاء الآن قد ظهر منهم تراوض الباطل ، وإذكاء الشنآن ، وكوامن الأحقاد ، وإدراك الإحن والأوتار . وبذلك وشيكا كان كيدهم ، وتبغّيهم وسعي بعضهم ببعض ، فما أقالوا عاثرا ، ولا استعتبوا مذنبا ، حتى اتّخذوا ذلك سبيلا إلى سفك الدماء ، وإباحة الحمى ، وجعلوا سبيلا إلى البأساء والعنت . فهلا علنت كلمتكم ، وظهرت حسدتكم ، إذ ابن الخطاب قائم على رءوسكم ، ماثل في عرصاتكم ، يرعد ويبرق بإرغائكم ، يقمعكم غير حذر من تراجعكم إلّا ما في بينكم ؛ وهلّا نقمتم عليه عودا وبدءا إذ ملك ، وتملك عليكم من ليس منكم بالخلق اللين ، والخصم العضل يسعى عليكم ، وينصب لكم ، لا تنكرون ذلك منه خوفا من سطوته ، وحذرا من شدته ، أن يهتف بكم متقسورا ، أو يصرخ بكم متعذورا . إن قال صدّقتم قالته وإن سأل بذلتم سألته ، يحكم في رقابكم وأموالكم ، كأنّكم ، عجائز صلع ، وإماء قصع ، فبدأ مفلتا ابن أبي قحافة بإرث نبيكم على بعد رحمه وضيق بلده ، وقلة عدده فرقأ اللّه شرّها ، زعم اللّه دره ما أعرفه لما صنع ؛ أو لم يخصم الأنصار بقيس ؟ ثم حكم بالطاعة لمولى أبي حذيفة ؟ يتمايل بكم يمينا وشمالا ، قد خطب عقولكم ، واستمهر وجلكم ، ممتحنا لكم ، ومعترفا أخطاركم ، وهل تسمو هممكم إلى منازعته ولولا تيك لكان قسمه خسيسا ، وسعيه تعيسا ؛ لكن بدر بالرأي ، وثنى بالقضاء ، وثلّث بالشورى ثم غدا سامرا مسلّطا درّته على عاتقه فتطأطأتم له تطأطؤ الحقّة ، وولّيتموه أدباركم حتى علا أكتافكم ، ينعق بكم في كل مرتع ، ويشدّ منكم على كل مخنق ، لا يبتعث لكم هتاف ، ولا يأتلق لكم شهاب يهجم عليكم بالسراء ، ويتورّط بالحوباء ، عرفتم أو أنكرتم ، لا تألمون ولا تستنطقون ، حتى إذا عاد الأمر فيكم ولكم ، في مونقة من العيش ، عرقها وشيج ، وفرعها عميم ، وظلها ظليل تتناولون من كثب ثمارها أنّى شئتم رغدا ، وحلبت عليكم عشار الأرض دررا ، واستمرأتم أكلكم من فوقكم ومن تحت أرجلكم ، في خصب غدق ، وأوق شرق ، تنامون في الخفض وتستلينون الدّعة ، ومقتم زبرجة الدنيا وحرجتها ، واستحليتم غضارتها ونضرتها وظننتم أن ذلك سيأتيكم من كثب عفوا ، ويتحلب عليكم رسلا ، فانتضبتم سيوفكم ، وكسرتم جفونكم ، وقد أبى اللّه أن تشام سيوف جرّدت بغيا وظلما ، ونسيتم قول اللّه جلّ وعز إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ