أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
177
نثر الدر في المحاضرات
من سعادة جدّ المرء ألّا يكون في الزمان المختلط مدبّرا للسّلطان . من سكرات السلطان أن يرضى عمّن استوجب السخط ، ويسخط على من استوجب الرضا من غير سبب معلوم . بلغ بعض الملوك حسن سياسة ملك فكتب إليه : قد بلغت من حسن السّياسة مبلغا لم يبلغه ملك في زمانك ، فأفدني الذي بلّغكه . فكتب إليه : « لم أهزل في أمر ولا نهي ، ولا وعد ولا وعيد ، واستكفيت أهل الكفاية ، وأثبت على الغناء لا على الهوى ، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت ، وودا لم يشبه كذب ، وعممت بالقوت ومنعت الفضول » . أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلّا بالتفرد به ، ولا يصلح الآخر إلا بالتعاون عليه : وهما الملك والرّأي ؛ فإن استقام الملك بالشّركاء استقام الرّأي بالتفرّد به . لا شيء أهلك للسّلطان من صاحب يحسن القول ولا يحسن العمل . اصحب السلطان بإعمال الحذر ، ورفض الدالة ، والاجتهاد في النصح واصحبه بثلاث : الرّضا والصّبر والصّدق . اعلم أنّ لكلّ شيء حدّا ، فما جاوزه كان سرفا ، وما قصّر عنه كان عجزا . فلا تبلغ بك نصيحة السلطان أن تعادي حاشيته من أهله وخاصّته ؛ فإنّ ذلك ليس من حقّه عليك . ولكنّ أقضى لحقّه عنك ، وأدعى للسّلامة إليك أن تستصلح أولئك جهدك ، فإنك إذا فعلت ذلك شكرت نعمته ، وأمنت حجته ، وفللت عدوّك عنده . إذا جاريت عند السّلطان كفؤا من أكفائك فلتكن مجاراتك إيّاه بالحجّة ، وإن عضهك « 1 » ، وبالرّفق وإن خرق بك ، واحذر أن يستلجّك فتحمى ، فإنّ الغضب يعمي عن الفرصة ، ويقطع عن الحجّة ، ويظهر عليك الخصم . احترس أن يعرفك السّلطان باثنين : بكثرة الإطراء للنّاس عنده ، وبكثرة
--> ( 1 ) عضه ، كمنع عضها : كذب ، وسحر ، ونمّ وعضه ، كفرح : جاء بالإفك والبهتان ، وعضه فلانا : بهته وقال فيه ما لم يكن .