أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
148
نثر الدر في المحاضرات
قال آخر : لا تجاهد الطّلب جهاد المغالب ، ولا تتّكل اتّكال المستسلم ؛ فإن ابتغاء الفضل من السّنّة ، والإجمال في الطّلب من العفّة ، وليست العفّة بدافعة رزقا ، ولا الحرص بجالب فضلا . سمع بعضهم إنسانا يتكلم بما لا يعنيه فقال له : يا هذا إنّما تملي على حافظيك ، وتكتب إلى ربّك ؛ فانظر على من تملي ، وإلى من تكتب . قال بعضهم : أقم الرغبة إليك مقام الحرمة بك ، وعظّم نفسك عن التعظّم ، وتطوّل ولا تتطاول « 1 » . قال آخر : عاملوا الأحرار بالكرامة المحضة ، والأوساط بالرّغبة والرّهبة والسّفل بالهوان . كن للعدوّ المكاتم أشدّ حذرا منك للعدوّ المبارز . قال سلم بن قتيبة لأهل بيته : لا تمازحوا فيستخفّ بكم السوقة ، ولا تدخلوا الأسواق فتدقّ أخلاقكم ، ولا ترجّلوا فيزدريكم أكفاؤكم . قال آخر : احفظ شيئك ممّن تستحيي أن تسأله عن شيء إن ضاع لك إذا كنت في مجلس فلم تكن المحدّث ولا المحدّث فقم . كان يقال : لا تستصغرنّ حدثا من قريش ، ولا صغيرا من الكتّاب ، ولا صعلوكا من الفرسان ، ولا تصادقن ذمّيّا ولا خصيّا ولا مؤنثا ؛ فإنه لا ثبات لموداتهم . قالوا : لا تدخل في مشورتك بخيلا فيقصر بعقلك ، ولا جبانا فيخوفك ما لا يخاف . ولا حريصا فيعدك ما لا يرجى ؛ فإن الجبن والبخل والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظنّ . قال عون بن عبد اللّه : لا تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظنّ ولا يغلبها على ما يستيقن .
--> ( 1 ) التطوّل : التفضّل ، والتطاول : الترفع على الناس .