أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

12

نثر الدر في المحاضرات

صلوات اللّه عليه وسلامه وتحياته ما عنده ، فلما قبض اللّه رسوله ضرب الشيطان برواقه ، ومد طنبه ، ونصب حبائله ، وأجلب بخيله ورجله ، واضطرب حبل الإسلام ، ومرج عهده ، وماج أهله وبغى الغوائل ، وظنت رجال أن قد أكثبت نهزها ، ولات حين التي يرجون ، وأنّى الصّدّيق بين أظهرهم ؟ فقام حاسرا مشمّرا قد جمع حاشيتيه ، ورفع قطريه ، فرد نشز الدين على غرّه ، ولم شعثه بطبه ، وأقام أوده بثقافه ، فامذقر « 1 » النفاق بوطئه ، وانتاش الدين فنعشه . فلما أراح الحق على أهله ، وأقرّ الرّءوس على كواهلها ، وحقن الدماء في أهبها حضرته منيّته ، نضّر اللّه وجهه ، فسد ثلمته بنظيره في الرحمة ومقتفيه في السّيرة والمعدلة ، ذلك ابن الخطاب ، للّه أمّ حملت به ، ودرّت عليه ، لقد أوحدت ، ففنخ « 2 » الكفرة ودنّخها « 3 » ، وشرّد الشرك شذر مذر وبعج الأرض ونجعها . فقأت أكلها ، ولفظت خبأها ؛ ترأمه ويصدف عنها ، وتصدّى له ويأباها ، ثم وزّع فيئها فيها ، وودّعها كما صحبها . فأروني ما ذا ترتئون . وأيّ يومي أبي تنقمون ؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم أو يوم ظعنه إذ نظر لكم . أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم . وقالت : لو نزل بالحبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها ، قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، فاشرأبّ النفاق ، وارتدّت العرب قاطبة . وعاد أصحاب محمد كأنهم معزى مطيرة في خفش ، فما اختلفوا فيه من أمر إلا طار أبي بغلائه وغنائه . ومن رأى ابن الخطاب علم أنه كان عونا للإسلام ، كان واللّه أحوذيّا نسيج وحده ، قد أعدّ للأمور أقرانها . ولما هلك أبو بكر الصديق رحمه اللّه قامت على قبره فقالت : نضّر اللّه وجهك ، وشكر لك صالح سعيك ؛ فقد كنت للدنيا مذلا بإدبارك عنها ، وكنت للآخرة معزّا بإقبالك عليها . ولئن كان أعظم المصائب بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه رزؤك ، وأكبر الأحداث بعده فقدك ، إن كتاب اللّه ليعد بحسن العزاء عنك حسن العوض منك ، فنحن نتنجز من اللّه موعوده بالصبر عليك ، ونستعيضه منك

--> ( 1 ) امذقرّ : تفرّق . ( 2 ) فنخ : أذل وقهر . ( 3 ) دنّخ : أخضع .