أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
58
نثر الدر في المحاضرات
الأرض بي . فلما كان بعد قتله بدهر قال لي : يا يزيد ؛ أتذكر يوم شاورتك في أمر العبد ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، وما رأيتني قد أدنى إلى الموت مني يومئذ ! قال : فو اللّه لكان ذلك رأيي وما لا أشكّ فيه ، ولكني خشيت أن يظهر ذلك منك ؛ فتفسد عليّ مكيدتي . قال الربيع : سمعت المنصور يقول : الخلفاء أربعة ، والملوك أربعة ؛ فالخلفاء : أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ على ما نال من عثمان ، وما نيل منه أعظم ، ولنعم الرجل كان عمر بن عبد العزيز . والملوك : معاوية ، وعبد الملك ، وهشام ، وأنا ، ولنعم رجل الحرب كان حمار الجزيرة « 1 » من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة . وقال : من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافأ ، ومن أضعف كان شكورا ، ومن شكر كان كريما ، ومن علم أنّما صنع لنفسه لم يستبطئ الناس في شكرهم ، ولم يستزدهم في مودّتهم ، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أسديته إلى نفسك . استأذن سوّار قاضي البصرة على المنصور ، فأذن له ، فدخل وسلّم ؛ فقال المنصور : وعليك السلام . ادن أبا عبد اللّه ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ؛ أأدنو على ما مضى عليه الناس أم على ما أحدثوا ؟ فقال : بل على ما مضى عليه الناس ، فدنا فصافحه ثم جلس ؛ فقال المنصور : يا أبا عبد اللّه ، قد عزمت على أن أدعو أهل البصرة بسجلّاتهم ، وأشريتهم ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ نشدتك اللّه ألا تعرض لأهل البصرة . فقال : يا سوّار ؛ أبأهل البصرة تهدّدني ؟ واللّه لهممت أن أوجّه إليهم من يأخذ بأفواه سككهم وطرقهم ، ويضع السيف فيهم فلا يرفعه عنهم حتى يفنيهم ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ ذهبت إلى غير ما ذهبت إليه ، إنما كرهت لك أن تتعرض لدعاء الأرملة واليتيم ، والشيخ الكبير الفاني ، والحدث الضعيف . فقال : يا أبا عبد اللّه ، أنا للأرملة بعل ، ولليتيم أب ، وللشيخ أخ ، وللحدث الضعيف عمّ ، وإنما أريد أن أنظر في سجلاتهم وأشريتهم لأستخرج ما في أيدي الأغنياء ، مما أخذوه بقوّتهم
--> ( 1 ) حمار الجزيرة : هو مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية . تقدمت ترجمته .